لم يكن اعتراف حلف شمال الأطلسي «الناتو» رسمياً بروسيا كتهديد رئيسي له، وتبني الدول الأعضاء في الحلف مفهوماً استراتيجياً جديداً في قمة مدريد الأخيرة، إلا تتويجاً منطقياً لحالة الصراع بين الجانبين، والتي دخلت في مستوى غير مسبوق من التوتر لم تشهده أكثر مراحل الحرب الباردة تدهوراً.
ورغم أن العلاقات بين موسكو وحلف الناتو مرت في السابق بأوقات عصيبة، إلا إنه لم تصدر عن الحلف تصريحات قاسية ضد موسكو كما ورد في البيان الختامي لقمة مدريد، وهو ما رأى فيه مراقبون روس أعلى مستوى من التصريحات الاستفزازية في تاريخ العلاقات بين الجانبين.
فقد تم تصنيف روسيا على أنها «التهديد الأهم والمباشر للأمن والسلام والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية». وفي المجموع، تم ذكر روسيا 13 مرة في نص البيان. وكما كان متوقعاً، طالب البيان موسكو بوقف إطلاق النار و«سحب القوات» من أوكرانيا، وأعرب عن دعمه لكييف.
علاقات ملتبسة
توسع الناتو ثماني مرات في تاريخه. وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي، كانت هناك ثلاث موجات من التوسع - في عام 1952 (اليونان وتركيا)، في عام 1955 (ألمانيا الغربية، منذ عام 1991 - جمهورية ألمانيا الاتحادية الموحدة)، في عام 1982 (إسبانيا).
بعد عام 1991، زاد عدد أعضاء الكتلة العسكرية السياسية بشكل كبير - من 16 إلى 30. وكان ما يسمى ببرنامج الشراكة من أجل السلام الذي وضع في العام 1994، قد كثف بشكل كبير التعاون بين الحلف ودول المعسكر الاشتراكي السابق، وفتح الطريق أمام توسيع التحالف.
وأدى ذلك، في المحصلة، إلى انضمام كل من المجر وبولندا وجمهورية التشيك (1999)، وبلغاريا ولاتفيا وليتوانيا ورومانيا وسلوفاكيا وسلوفينيا وإستونيا في (2004)، وألبانيا وكرواتيا (2009)، والجبل الأسود (2017)، ومقدونيا الشمالية (2020)، والآن يجري النظر في انضمام كل من فنلندا والسويد إلى الحلف.
ولطالما كان موقف روسيا من توسع حلف الناتو يتضمن التحذير من عواقب هذه الخطوة، وما تتضمنه من تهديد للأمن الأوروبي، بالدرجة الأولى، فضلاً عن ارتدادات هذه الخطوة على المستوى العالمي، وتهديدها بإجراءات رد.
وتكفي الإشارة هنا إلى تقديرات الجيش الروسي، بأن قبول أعضاء جدد في الناتو يستلزم تقليص فترة النشر الاستراتيجي لقوات الحلف، وفي المقابل وقتاً أقل للقوات الروسية لوضعها في حالة الاستعداد القتالي.
نهاية شهر العسل
أقيمت العلاقات بين روسيا والناتو فور انهيار الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1991. ولكن في 1 أبريل 2014، وعلى خلفية الأزمة حول أوكرانيا بسبب انضمام شبه جزيرة القرم إلى روسيا، أعلن الناتو تعليق التعاون المدني والعسكري العملياتي مع روسيا. وفي 25 ديسمبر 2014، صادق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على النسخة الجديدة من العقيدة العسكرية الروسية، والتي تصنف تعزيز قوة الناتو وقرب البنية التحتية العسكرية للدول الأعضاء في الحلف إلى الحدود الروسية باعتبارها واحداً من الأخطار العسكرية الخارجية.
وفي مارس 2004، وعلى الرغم من الجهود الدبلوماسية لروسيا لمنع ذلك، تم قبول سبع دول من أوروبا الشرقية في التحالف، بما في ذلك إستونيا ولاتفيا وليتوانيا المتاخمة لروسيا. وحينها اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين توسع الناتو باتجاه الشرق بمثابة «خيانة شخصية» من جانب الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش.
حبر على ورق
وتقف روسيا موقفاً حاداً ضد توسع الناتو إلى الشرق، وترى أن من شأن ذلك زيادة التوتر في أوروبا. وعلى هذا الأساس، نشرت وزارة الخارجية الروسية في 17 ديسمبر 2021، مسودة اتفاقيات بين روسيا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بشأن الضمانات الأمنية، والتي تنص على الالتزام بعدم تقدم الناتو إلى الشرق، ورفض نشر أنظمة الأسلحة التي تهدد روسيا خارج البلدان التي كانت فيها في عام 1997 (قبل التوقيع على قانون روسيا والناتو، والذي ينص على حظر نشر الأسلحة النووية على أراضي الأعضاء الجدد في الناتو).
ويقول الخبير العسكري فيكتور ليتوفكين، إن السبب الجوهري وراء بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا يعود إلى رفض واشنطن وحلف الناتو إعطاء ضمانات أمنية لموسكو، وتجاهل الحلف الأطلسي لمبدأ عدم التمدد شرقاً، ومحاولة تحويل أوكرانيا (بشكل خاص) إلى قاعدة للبنية التحتية للحلف.
ويؤكد الخبير الروسي أن روسيا تلعب دوراً رئيسياً في (أوراسيا)، وأن علاقاتها مع الناتو كانت يجب أن تحقق مستوى من التفاهم، بحيث لا تعني الخلافات حول قضية واحدة نهاية التعاون في المجالات الأخرى، ولكن الأحداث التي سبقت الحرب في أوكرانيا، والتحضير لضم فنلندا والسويد إلى الحلف، أثبتتا فشل هذا الرهان.
ويضيف أن وجود نظام أمني فعال وموثوق في أوروبا مستحيل دون مشاركة روسيا، والناتو، كنظام عسكري أمني هو بالمحصلة حلف عدواني في حال تجاهل المشاركة الروسية في بناء نظام أمني متوازن في القارة الأوروبية، ولا يشكل تهديداً لأحد.
علاوة على ذلك، ومن وجهة النظر السياسية والنفسية - يتعارض توسع الناتو مع المصالح الوطنية لروسيا، إلى جانب الخطر في ظهور شعور بالعزلة العسكرية - السياسية لموسكو، وفي إحياء المزاج المعادي للغرب والداعم لسباق التسلح في ذهن الجمهور، حسب رأيه.
خيارات الرد
وتوقع ليتوفكين أن الرد الروسي العملي في حالة دخول فنلندا والسويد إلى الناتو سيتوقف على «المدى الذي ستتحرك فيه البنية التحتية العسكرية، والاقتراب من الحدود الروسية».
ومن جملة الإجراءات الممكنة، اضطرار روسيا إلى إنشاء مجموعات دفاع صاروخي ودفاع جوي جديدة في الشمال الغربي، وعسكرة منطقة كالينينغراد وبيلاروسيا، وتعزيز أساطيل البلطيق والشمال.
سيناريوهات
ووفقاً لمحلل الشؤون الدولية، إيفان بيزبالكو، فإن احتمال نشوب صراع بين الناتو وروسيا يبقى ممكناً في حدود السيناريوهات التالية:
- اشتباك موضعي (محلي)
يرى بيزبالكو أن دول الناتو ستشارك بشكل متزايد في الصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا، وستواصل تزويد كييف بالأسلحة. من هنا، تزداد احتمالية مشاركة العسكريين من دول الناتو في الأعمال الحربية أكثر فأكثر مع توفير المزيد والمزيد من المعدات عالية التقنية، والتي لا يمكن تدريب العسكريين الأوكرانيين على إدارتها في وقت قصير.
وبرأيه، فإن العسكريين من الدول الغربية هم من سيقومون باستخدام هذه المعدات بأنفسهم، ما يمكن أن يؤدي إلى زيادة التوتر والاشتباكات المباشرة على أراضي أوكرانيا وإطالة أمد الصراع، ولكن في نفس الوقت لا يتجاوز أوكرانيا.
- نزاع عسكري ذو طابع إقليمي (ليس نووياً).
وحسب محلل الشؤون الدولية، إيفان بيزبالكو، قد يصبح هذا ممكناً تماماً مع تعزيز نشاط الناتو في أوكرانيا ودول البلطيق وفي القطب الشمالي، خاصة بعد الدخول الرسمي لفنلندا والسويد إلى التحالف. ومن الواضح أن الحسابات في هذه الحالة ستستند إلى افتراض أن روسيا لن تستخدم الأسلحة النووية، لكنها ستخسر في صراع باستخدام الأسلحة التقليدية. كما من الممكن استخدام الأسلحة النووية (التكتيكية) دون عواقب وخيمة على دول الناتو، ولكن كدليل على الحسم والتصميم.
- صدام عسكري ذو طابع قاري (نووي)
قد يؤدي الصراع الناجم عن ضغوط قوية على روسيا إلى استخدامها الأسلحة النووية، والتي ستستهدف في المقام الأول دولاً في أوروبا الشرقية (رومانيا، بولندا، دول البلطيق)، وربما الشمالية (فنلندا، السويد) أو حتى الغربية (المنشآت العسكرية في ألمانيا وإسبانيا وبريطانيا). كما يمكن تنفيذ الضربات على المنشآت العسكرية الأمريكية في أوروبا، ولكن ليس على الأراضي الأمريكية، مما يترك مجالاً للتوصل إلى اتفاق وإنهاء الصراع.
صراع عالمي
أما السيناريو الرابع - حسب بيزبالكو -، فيتمثل في اشتراك جميع اللاعبين الجيوسياسيين في الأعمال الحربية، أو التوسع غير المنضبط لجغرافية الصراع. ويتابع، بأن أي سيناريو من السيناريوهات المذكورة، يمكن أن يتحول إلى السيناريو الذي يليه، لكن يلفت إلى أن امتداد الصراع من إقليمي إلى قاري، أو حتى أكثر من ذلك، إلى صراع عالمي، هو أمر غير مقبول من قبل قيادة الناتو.
المسألة الصينية
إن تحول مراكز الحياة المالية والاقتصادية والجيوسياسية بشكل عام إلى جنوب شرق آسيا يعزز بشكل موضوعي مكانة الصين، ما تسبب ببروز قلق بين الدول الغربية.
وفي قمة مدريد، تم تعريف الصين على أنها «منافسة»، ولكن في الوثيقة النهائية تم ذكرها مرة واحدة فقط. لكن في قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، حظيت الصين باهتمام أكبر. إذ كانت اللهجة التي اتُخذت بشأن الصين في البيان الختامي قاسية بشكل غير مسبوق. وإذا كانت الإشارة الوحيدة لجمهورية الصين الشعبية في السنوات السابقة هي إدانة سياسة العسكرة في شرق الصين وبحر الصين الجنوبي، فإنه في البيان الحالي، تم ذكر بكين ثلاث مرات أخرى.
فقد تمت الإشارة إلى ضرورة احترام الصين لحقوق وحريات الأويغور في منطقة شينجيانغ المتمتعة بالحكم الذاتي، وإلى الوضع حول هونغ كونغ، ولأول مرة، الدعوة إلى السلام والاستقرار في مضيق تايوان، وتنسيق النهج تجاه الصين بسبب «الممارسات والسياسات التي تناقض قوانين السوق».
لكن الضغوط التي ستتعرض لها الصين ستكون ذات طبيعة سياسية في المقام الأول، مع التركيز على المس بالمصالح الاقتصادية لبكين، واعتمادها على الأسواق، وطرق التجارة، وواردات الطاقة والمواد الخام، وكذلك احتمال فرض عقوبات (على سبيل المثال، بسبب ملف الأويغور أو التيبت، والصراع الحدودي مع الهند، وما إلى ذلك)، أو بسبب الاضطرابات المحلية أو الإقليمية المحتملة (في هونغ كونغ، في منطقة شينجيانغ)، إلخ.
عبر بوابة الاقتصاد
وهنا، قد يكون رد الصين عبر تعزيز التعاون مع روسيا في عدد من المجالات، كإمدادات الطاقة، والتجارة المتبادلة، والتعاون التكنولوجي والعسكري، والتنمية، وغيرها، وبالتالي، فإن الغرب نفسه يوحد روسيا والصين.
ويرى الخبير في الاقتصاد الدولي، فلاديمير أولينتشينكو، أن الإجراءات الصينية ستشكل عنصراً إيجابياً يصب موضوعياً في مصلحة موسكو، في المواجهة المتعددة الأشكال مع حلف الناتو والمنظومة الغربية بشكل عام.
ويوضح أولينتشينكو، أن من بين الإجراءات الصينية: السحب التدريجي للأصول من الدولار الأمريكي والديون الأمريكية على مدى عدة سنوات، وتقوية الجيش، وخاصة البحرية، وإنشاء وتطوير القواعد العسكرية في الخارج، وتطوير شبكة السكك الحديدية مع دول جنوب شرق آسيا، وبناء وتأجير الموانئ في الخارج، وإنشاء البنية التحتية في تلك الدول، وتطوير منظمة شنغهاي للتعاون، وبريكس، ما يفضي - برأيه - إلى تحالف روسي – صيني، لا يكون عسكرياً بالضرورة، لكنه سيشكل عامل ضغط مؤثراً على حلف الناتو، يجعله يسلم بحقيقة أن سلاح الاقتصاد ليس أقل تأثيراً من التهديد باستخدام السلاح النووي.
