أثار تخلي القوات الروسية عن جزيرة الثعبان الموقع الأمامي الاستراتيجي تساؤلات عدة بشأن أهداف موسكو من الحرب التي دخلت شهرها الخامس في أوكرانيا؛ إذ صورها البعض على أنها "تكتيك عسكري"، ووصفها آخرون بـ"الانتكاسة العابرة"، فيما رحب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بهذا التطور بوصفه انتصارا، معلنا أن جزيرة الثعبان "حرة مرة أخرى".
وحاولت روسيا إضفاء البعد الإنساني على انسحابها من جزيرة الثعبان، لكن ما اجتهدت عليه موسكو لإقناع العالم، لم يقنع الأوكرانيي مطلقاً.
وسيطر الجيش الروسي على جزيرة الثعبان الواقعة جنوب غرب ميناء اوديسا، في اليوم الأول من الحرب في أوكرانيا، بواسطة الطراد "موسكفا"، بيد أنه لم يعد بمقدوره الحفاظ على هذه النقطة الاستراتيجية لفترة طويلة، من دون دفع ثمن باهظ، وفق صحيفة "لوبينيون" الفرنسية.
وأعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية إيجور كوناشينكوف الخميس الماضي أن الجيش الروسي انسحب من جزيرة الثعبان.
وقال " في الثلاثين من شهر يونيو الماضي، وكإيماءة لحسن النوايا، أكملت قوات الاتحاد الروسي مهامها المسندة إليها في جزيرة الثعبان وانسحبت من هناك".
وتم التوضيح للمجتمع الدولي أن الاتحاد الروسي لايتدخل في جهود الأمم المتحدة لتنظيم ممر إنساني لصادرات المنتجات الزراعية من الأراضي الأوكرانية، بحسب كوناشينكوف.
وتصدت القوات الروسية بنجاح لسلسلة من المحاولات من جانب القوات المسلحة الأوكرانية لاستعادة الجزيرة خلال شهر مايو الماضي، فيما قال خبراء إن الإمدادات الأخيرة من مدافع الهاوتزر والصواريخ الغربية المضادة للسفن قد جعلت الكفة تميل لصالح كييف.
وبينما يحتفظ أسطول البحر الأسود الروسي بالسيطرة على جزء كبير من ساحل أوكرانيا على البحر الأسود، بقيت الجزيرة أرضاً شبه "مشاع" في الوقت الحالي.
ولاتزال جزيرة الثعبان تحت السيطرة الروسية بمعنى أنها لاتزال في مرمى المنظومات الصاروخية الروسية والسفن الحربية القريبة ، مما يمنع أوكرانيا من استرجاعها بالفعل لسيادتها، وفق تصريح النائب بالبرلمان الروسي اليكسي شيرنياك الجمعة الماضي.
إيماءة لحسن النية
وصورت موسكو الانسحاب المفاجئ للقوات الروسية من الجزيرة على أنه إيماءة لحسن النوايا تهدف إلى تخفيف أزمة انعدام الأمن الغذائي العالمي، ولكن لم تكن هناك أي إشارة مسبقة إلى أن موسكو كانت تبحث خططا لاتخاذ مثل هذه الخطوات.
ولا يبدو القرار متسقا مع الموقف الذي اتخذه مسؤولون روس في محادثات جارية بشان صادرات الحبوب.
وتربط روسيا على نحو مستمر أزمة الجوع الوشيكة بالعقوبات الغربية التي على موسكو عقب العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.
ورفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مزاعم المسؤولين الأوكرانيين والغربيين التي مفادها أن حصارا بحريا تفرضه روسيا يمنع ملايين الأطنان من الحبوب من مغادرة الموانئ الأوكرانية ، دافعا بالقول في مقابلة نشرت حديثا إن أوكرانيا لها الحرية في أن تسلك طرقا بديلة لتصدير الحبوب عبر بولندا ورومانيا وبيلاروس.
كييف ترفض
وترفض كييف تفسير موسكو للأحداث ، زاعمة بدلا من ذلك أنها طردت القوات الروسية من الجزيرة بعد هجوم ليلي مكثف تردد أنه كلف روسيا معدات عسكرية بمئات الملايين من الدولارات.
ورحب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بهذا التطور بوصفه انتصارا، معلنا أن جزيرة الثعبان "حرة مرة أخرى".
ولا يبدو أن الجيش الأوكراني، الذي استخدم موارد هائلة منذ بدء الحرب لطرد روسيا من جزيرة الثعبان، لديه أي خطط فورية لحماية الأراضي البحرية الصغيرة.
ضربة
ولايزال فقدان جزيرة الثعبان بمثابة ضربة لقدرة روسيا على تهديد أوديسا ، ويحرم موسكو من وسائل رئيسية للسيطرة على خطوط شحن الحبوب الأوكرانية ويمنع أحتمال استخدام الجيب، الذي كانت تسيطر عليه روسيا ، وفق الباحث الأمريكي مارك إبيسكوبوس.
وترددت تقارير أن الجيش الروسي كان يعتزم تعزيزه بمنظومات صواريخ أس -400بعيدة المدى ، لممارسة الضغط على الجناح الجنوبي الشرقي لحلف شمال الأطلسي (ناتو).
وليس هناك ما يشير إلى أن التخلي عن جزيرة الثعبان قد دفع موسكو لمراجعة أهدافها من الحرب والتي ظلت بشكل كبير غير واضحة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في الرابع والعشرين من شهر فبراير الماضي.
ويقول خبراء أن الكرملين أعلن عن أهدافه الرئيسية بعبارات غامضة عن عمد ، حيث أشار بوتين إلى النزاع على أنه "عملية عسكرية خاصة " تهدف إلى "القضاء على النازية " و"نزع السلاح" لكي يضع الأساس لمجموعة كبيرة من السيناريوهات المحتملة في نهاية النزاع والتي يمكن تقديمها للشعب الروسي كنصر حاسم على أوكرانيا والغرب.
وفي شرق أوكرانيا ، يبدو أن هجوم روسيا في دونباس ينجح بشكل بطئ في الوقت الذي تقترب فيه أكثر القوات الروسية وقوات الإنفصاليين المتحالفين مع روسيا لطرد الجيش الأوكراني من المنطقة.
وتواصل القوات الروسية الضغط على أوديسا ،التي يُعتقد على نطاق واسع أنها واحدة من المكاسب الرئيسية للحرب مع تصعيد مميت للهجمات الجوية.
وتوقع سياسيون ومعلقون روس ، استنادا إلى خطط ناقشها مسؤولون عسكريون كبار، أن محور أوديسا قد يصبح جبهة الحرب الجديدة بعد دونباس.
وليس هناك أي شئ يشير إلى أن فقدان جزيرة الثعبان ، التي اعتبرتها موسكو انتكاسة عابرة في أسوأ الأحوال ، قد قلبت هذه الأهداف المعلنة للحرب رأسا على عقب، وفق ابيسكوبوس.
خطة السيطرة على دونباس
ميدانياً، يستمر الجيش الروسي بقصف شرق أوكرانيا وبالتقدم في خطة السيطرة على كامل منطقة دونباس بعد استيلائه على مدينة ليسيتشانسك الاستراتيجية، في وقت يعد مؤتمر لوغانو في سويسرا لمرحلة إعادة البناء.
وأعلنت هيئة أركان الجيوش الأوكرانية انسحابها من ليسيتشانسك محور معارك شرسة في الأسابيع الأخيرة مقرة ب تفوق" القوات الروسية على الأرض في هذه المنطقة لوغانسك في شرق أوكرانيا.
ويبدو أن الجيش الروسي يركز جهوده على مدينتي سلوفيانسك وكراماتورسك الرئيسيتين إلى الغرب، اللتين تتعرضان للقصف دونما هوادة منذ أمس الأحد، بعد استيلائه على ليسيتشانسك المرحلة الأساسية في الهيمنة على حوض دونباس الصناعي الذي ينطق غالبية سكانه بالروسية ويسيطر على جزء منه انفصاليون موالون لموسكو منذ 2014.
تخفيف وطأة الوضع
وحاول الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال كلمته مساء أمس الأحد، التخفيف من وطأة الوضع مركزا على خطوط الجبهة الأخرى حيث تؤكد كييف أنها "تحرز تقدما" في منطقتي خاركيف (شمال شرق) وخيرسون (جنوب). وأكد "سيأتي يوم نقول الشيء نفسه عن دونباس".
وفي مدينة سلوفيانسك التي كان عدد سكانها نحو مئة ألف نسمة قبل الحرب، أسفرت ضربات الأحد الروسية عن سقوط ستة قتلى بينهم طفلة في التاسعة. وقال زيلينسكي "كان اسمها إيفا وكانت لتحتفل بعيد ميلادها العاشر في اغسطس".
وتدعو السلطات الأوكرانية السكان الآن إلى المغادرة فيما بات خط المواجهة على بعد كيلومترات قليلة من سلوفيانسك.
وفي سيفيرسك على بعد حوالى عشرين كيلومترا غرب ليسيتشانسك يبدو أن القوات الأوكرانية تعتمد على خط دفاع بين هذه المدينة ومدينة باخموت لحماية سلوفيانسك وكراماتورسك. وتحدث سكان اتصلت بهم وكالة فرانس برس عن عمليات قصف تزداد كثافة على سيفيرسك في الأيام الأخيرة.
وأكدت هيئة أركان الجيش الأوكراني في مؤتمر صحافي اليوم الاثنين "كثف العدو قصفه على مواقعنا باتجاه باخموت".
ودوت الانذارات المحذرة من وقوع غارات جوية ليل الأحد الاثنين وصولا حتى أوديسا، ولم يعد أحد يتكهن بمدة الحرب في أوكرانيا.
وقالت لودميلا ياشتشوك (55 عاما) من سكان كييف لوكالة فرانس برس "في البداية كان الخبراء يؤكدون أن الحرب ستنتهي سريعا ومن ثم قالوا إنها ستنهي في في عيد الدستور (28يونيو) ومن ثم عيد الاستقلال (24اغسطس) لكنهم الآن لا يقولون شيئا".
إعادة بناء
وفي مدينة بوتشا فيما عاد بعض سكان هذه المدينة التي شهدت مآسي، إلى زراعة الزهور عند أقدام المباني أو الخضار، لا يتجرأ السكان بعد على الحديث عن إعادة البناء فيما نتيجة المعارك غير مؤكدة. وندوب المعارك لا تزال بارزة هنا من نوافذ محطمة وآثار الرصاص والفجوات في الجدران.
وفي حين أن نتيجة الحرب غير محسومة بعد، ينعقد مؤتمر لوغانو المقرر منذ قبل الغزو الروسي لأوكرانيا نهاية شباط/فبراير يومي الاثنين والثلاثاء في محاولة لرسم معالم إعادة البناء في أوكرانيا مستقبلا.
ووصل رئيس الوزراء الأوكراني دنيس شميغال ورئيس البرلمان رسلان ستيفانشوك إلى لوغانو الأحد على أن يلتقيا خصوصا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين لإرساء أسس "خطة مارشال" لأوكرانيا مع أن نهاية الحرب غير مرتقبة سريعا والتقديرات تراوح بين عشرات إلى مئات مليارات الدولار.
ورأى روبير مارديني المدير العام للجنة الدولية للصليب الأحمر في مقابلة مع محطة "ار تي اس " التلفزيونية السويسرية أن عملية إعادة البناء بحد ذاتها يجب أن تنتظر نهاية القتال لكن من الحيوي توفير "أفق إيجابي للمدنيين".
وستعرض وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس اليوم الاثنين في لوغانو خطة بريطانية واسعة لإعادة البناء في أوكرانيا.
وسيشكل إنعاش أوكرانيا بعد الحرب الروسية، رمزا لتفوق الديموقراطية على التسلط. وسيظهر ذلك لبوتين أن محاولته لتدمير أوكرانيا جعلت منها أمة أرقى وأكثر ازدهارا ووحدة، وفق تعبير وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس.
من جهتها، قررت اللجنة الأولمبية الدولية زيادة مساعداتها المالية المباشرة للرياضيين الأوكرانيين ثلاث مرات لكي يتمكنوا من أن "يرفعوا عاليا" علم بلادهم خلال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية في باريس في2024 والشتوية في 2026 على ما أعلن رئيسها توماس باخ.
ويبدو أن"الوقت لم يحن" لتغيير موقف اللجنة الأولمبية الدولية التي أوصت باستبعاد الرياضيين الروس والبيلاروس من كل المناسبات الرياضية الدولية، حسب تصريح باخ واقفاً إلى جانب زيلينيسكب، خلال زيارته كييف.
