كالينينغراد مدينة روسية تقع بين بولندا وليتوانيا. يسكنها 430 ألف روسي، وهي معزولة براً عن بقية الأراضي الروسية، حيث تسافر القطارات التي تحمل البضائع إلى هذا الجيب الروسي عبر بيلاروسيا وليتوانيا.
قبل أسبوع، أقدمت ليتوانيا، على منع عبور نصف البضائع القادمة عبر أراضيها من روسيا إلى كالينينغراد، معتبرة هذه الخطوة التزاماً بالعقوبات الأوروبية على روسيا التي وصفت الخطوة بأنها «غير مسبوقة وغير قانونية»، وهددت بالرد.
مدينة كالينينغراد تقع بين بولندا وليتوانيا العضوين في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وهي مدينة ساحلية وكانت ميناء تجارياً هامًا على بحر البلطيق لمئات السنين. وكانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي وروسيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ويقطنها ما يقرب من نصف مليون شخص.
تحدها ليتوانيا في الشمال والشرق وبولندا في الجنوب ويمتد على مساحة تصل إلى 15 ألف كيلومتر مربع فيما يبلغ عدد سكانها قرابة نصف مليون نسمة وتحمل عاصمة الإقليم اسم كالينينغراد.
ووفقاً لموقع «دي دبليو» الألماني، كان هذا الجيب في السابق جزءاً من شرق مملكة بروسيا الألمانية السابقة، وعقب هزيمة ألمانيا النازية في نهاية الحرب العالمية الثانية جرى التنازل عن هذا الجيب لصالح الاتحاد السوفييتي في ذاك الوقت.
وعقب سيطرة الروسي عليه، تغير اسم المدينة الرئيسية في الجيب من «كونيغسبرغ» في بادي الأمر إبان الحكم الألماني إلى كالينينغراد ثم جرى إطلاق هذا الاسم على المنطقة بأسرها. وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبح جيب كالينينغراد جزءاً من روسيا الاتحادية.
وجاء في موقع «ستادي إن رشا» الحكومي أن تاريخ المدينة بدأ عام 1255 عندما أسس فرسان توتوني القلعة على تلة واسموها كونيغسبرغ (جبل الملك). أصبحت المدينة جزءاً من روسيا أول مرة عام 1758 نتيجة لانتصارها في حرب السنوات السبع.
ومع ذلك، في العام 1762 تمت إعادة الأرض إلى مملكة بروسيا. وأصبحت كونيغسبرغ مرة أخرى مدينة روسية عام 1946 بعد أن أدت الحرب العالمية الثانية إلى نقل بعض الأراضي الألمانية إلى الاتحاد السوفييتي. وبعد ذلك ظهر اسم جديد للمدينة وهو كالينينغراد على شرف الزعيم السياسي السوفيتي ميخائيل إيفانوفيتش كالينين.
في البلدات الصغيرة القريبة من مدينة كالينينغراد، هناك شواطئ يمكن الوصول إليها عن طريق الحافلات أو السيارات أو القطار. ولكن يمكنك أن تشم رائحة البحر في كالينينغراد نفسها، حيث إن المناخ في بعض الأحيان يكون عاصفاً وماطراً.
وكانت كونيغسبرغ (كالينغراد) مسقط رأس وإقامة الفيلسوف إيمانويل كانط، ويقع قبره عند جدران الكاتدرائية التي بنيت في القرن الرابع عشر، وفيها متحف كانط وقاعة حفلات، حيث تقام الحفلات الموسيقية.
ومن المثير للاهتمام أن كانط عاش فقط وقت انتقلت المدينة للمرة الأولى إلى الإمبراطورية الروسية، وأقسم اليمين أمام الإمبراطورة إليزابيث. وعندما عادت المدينة مرة أخرى إلى بروسيا رفض كانط الحنث بيمينه وظل مواطناً روسياً حتى وفاته.
وتحتضن كالينينغراد متحف العنبر الشهير الذي يقع في برج من الطوب الأحمر، وكان يشكل في وقت ما جزءاً من نظام الدفاع عن المدينة. وفي المدينة أكبر فسيفساء كهرماني في العالم وهي فسيفساء «روس»، إذ أنها تزن أكثر من 70 كغ وتتكون مما يقرب من 3 آلاف جزء.
أهمية استراتيجية
الموقع الجغرافي لجيب كالينينغراد يمثّل أهمية استراتيجية وعسكرية لروسيا، إذ أنه يضم ميناء البلطيق الروسي الوحيد الذي يخلو من الجليد طوال العام على خلاف باقي الموانئ الروسية، ويستضيف أيضاً مقر أسطول بحر البلطيق الروسي. ولذلك أيضاً تجري روسيا باستمرار تدريبات عسكرية في المنطقة.
ولا تتوقف أهمية كالينينغراد على النواحي العسكرية بل إن الجيب يحظى بأهمية تاريخية وأديبة فقد كان مسقط رأس الفيلسوف الألماني الشهير إيمانويل كانط. كما أن كالينينغراد مركز هام للتجارة العالمية في الكهرمان أو ما يُعرف بحجر الحب حيث يذخر بحوالي 80 % من احتياطيات الكهرمان في العالم.
بدأت ليتوانيا (وهي جمهورية سوفييتية سابقة) حظر عبور حوالي 50 % من البضائع القادمة عبر أراضيها من روسيا إلى هذا الجيب الروسي، اعتباراً من 18 يونيو، وشملت البضائع المحظورة الفحم والمعادن ومواد البناء والتكنولوجيا المتقدمة.
وقالت ليتوانيا إنها تنفذ العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي، والتي هي عضو فيه، وإن الإجراءات التي تم اتخاذها اتخذت بعد «التشاور مع المفوضية الأوروبية وبموجب خطوطها التوجيهية». وأيد مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي موقف ليتوانيا، قائلاً إن البلاد لا تتصرف من جانب واحد وتطبق فقط عقوبات الاتحاد الأوروبي.
وقال جوزيب بوريل: «وفقاً لعقوبات الاتحاد الأوروبي، هناك قيود على الواردات والصادرات تنطبق في العلاقات مع بعض السلع.. ليتوانيا لا تفعل شيئاً آخر سوى تنفيذ المبادئ التوجيهية التي قدمتها المفوضية... إذا مرت عبر أراضي الاتحاد الأوروبي لبعض السلع، فهذا محظور». ونفى بشدة أن يكون هناك «حصار» على كالينينغراد.
وفور بدء ليتوانيا هذا الإجراء، طالبتها الخارجية الروسية برفع الحظر على الفور، قائلة إنه إذا لم تتم استعادة روابط النقل بالكامل «تحتفظ روسيا بالحق في اتخاذ إجراءات للدفاع عن مصالحها الوطنية».
وفي وقت لاحق، قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إنه «يجري تطوير إجراءات للرد، وقرارات الرد قيد الإعداد، لكن في الوقت نفسه، سيتعين على بروكسل وكل ما يطلق على نفسه الوحدة الأوروبية، تحديد موقفه».
وفيما وصف الكرملين قرار ليتوانيا بأنه «انتهاك لكل القواعد، وغير مسبوق، وغير قانوني»، أشار نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دميتري مدفيديف، إلى أن «الإجراءات الروسية للرد على حظر عبور البضائع إلى مقاطعة كالينينغراد ستكون قاسية جداً».
خطورة الخطوة
الخبيرة إيما أشفورد قالت لمجلة «فورين بوليسي» إن روسيا والاتحاد الأوروبي ليسا في حالة حرب حالياً، لكن حصار كالينينغراد قد «يغير هذا التوازن». وأشارت إلى أنه يتعين على ليتوانيا والاتحاد الأوروبي وقف إجراءاتهما ضد كالينينغراد، لأن نقل البضائع إلى المنطقة ينتمي إلى التجارة المحلية الروسية.
وبحسب أشفورد، كان ينبغي على بروكسل أن تمنع المشكلة منذ البداية من خلال استثناء المنطقة من حزمة العقوبات. وتابعت قائلة: «ربما ينبغي ألا تخلق ليتوانيا ثغرة خاصة من خلال العقوبات ضد روسيا لكالينينغراد، لكن كان ينبغي لشخص ما في بروكسل أن يفعل ذلك. هذه ليست تجارة مع الاتحاد الأوروبي، هذه تجارة داخلية.. روسيا مجبرة على عبور الأراضي الأوروبية».
وتساءلت: «هل تشاور الليتوانيون مع حلفائهم في أوروبا الغربية أو مع الولايات المتحدة قبل اتخاذ هذا الخيار؟ يبدو لي أن هذه حالة محتملة لاستدراج التحالف إلى فخ، حين يتمكن أحد أعضاء الاتحاد وهو في العادة أصغر والأكثر ضعفا، من استدراج حليفه إلى صراع لا يلبي مصالحه».
وتنقل وكالة سبوتنيك الروسية عن الخبير الاستراتيجي الدكتور علاء الأصفري قوله إن روسيا لن تسمح بمحاصرة مقاطعة لها وتستخدم جميع الأساليب الدبلوماسية حتى تستنفذها، ثم يأتي الرد بعدها الذي قد يكون عبارة عن إنزال قوات على الحدود الليتوانية البولندية وكاليننغراد.
وشدد على أن ليتوانيا تقوم بخطأ استراتيجي إذا لم تفاوض روسيا على إلغاء قرار فرض قيود على حركة البضائع إلى مقاطعة كاليننغراد، حيث قد يؤدي الأمر إلى فصل دول البلطيق الثلاث (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) عن حلفائها في «الناتو».



