ثمّة سيناريوهات تثير الفزع على المشهد الحالي في أوروبا لما قد يكون عليه الوضع في عديد من الدول حال لجوء روسيا لقطع إمدادات الغاز عنها، يصل إلى حد غرق بعض الدول في الظلام مع عدم كفاية البدائل لتجنب الأزمات في الشتاء تحديداً.. فهل تستطيع أوروبا تحمل تبعات ذلك؟ وهل تغطي البدائل المتاحة الطلب، لا سيما قبل فصل الشتاء؟. 

«لا بديل حقيقياً عن موارد الطاقة الروسية للسوق الأوروبية في المستقبل المنظور، استبدال الغاز المسال بغاز الأنابيب الروسي وهم محض».. هكذا تقيم روسيا موقفها في صراعها مع الغرب، وترتكز على سلاح الغاز الذي ترى أن أوروبا لا تستطيع التخلي عنه، طبقاً لما أورده بيان صادر عن الخارجية الروسية في الأسبوع الأول من يونيو.

ترى روسيا أن عديداً من العواصم الأوروبية تدرك صعوبة استغنائها عن الغاز الروسي، بينما في الوقت نفسه تروج بعض تلك الدول إلى قدرتها على ذلك، آخرها فرنسا - التي لم تعد تتلقى الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب منذ منتصف يونيو- والتي ذكرت وزيرة انتقال الطاقة فيها أنييس بانييه روناتشر، أن بلادها يمكنها الاستغناء عن الغاز الروسي «على افتراض أن جميع ناقلات الغاز الطبيعي المسال تصل في الوقت المحدد، بما يمكن باريس من ملء مخزونها الاستراتيجي بشكل مريح».

وربطت الوزيرة إنهاء استيراد الغاز الروسي بالشحنات القادمة إلى بلادها من النرويج والجزائر.

وفيما تشير الخارجية الروسية إلى توقعات تجاوز الطلب العالمي من الغاز العرض في العام الجاري 2022، ولن تبدأ المشاريع الجديدة العمل قبل 2024، يروّج محللون روس إلى أن أوروبا ليس بوسعها الاستغناء عن الغاز الروسي قبل خمس سنوات من الآن، وهو ما أكده تقرير لصحيفة «إكسبرت رو» أخيراً.

وحذرت منظمة الطاقة الدولية، قبل أيام، من أن روسيا قد تقطع إمدادات الغاز بشكل كامل عن أوروبا، في وقت اعتبرت دول أوروبية أن تخفيض روسيا شحنات الغاز إلى أوروبا بمقدار الثلث عبر خط أنابيب «نورد ستريم»، بأنه شكل من أشكال «الحرب الاقتصادية»، بينما قالت شركة غازبروم إن الخفض يأتي «لأسباب فنية».

وذكر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، أنه مع عدم استبعاد إمكانية القطع التام لإمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، فإنه يتعين على الدول الأوروبية «وضع خطط طوارئ».

وأمام تلك المعضلة الأوروبية، يقول الباحث بمؤسسة نيو أميركا، باراك بارفي، في تصريحات خاصة لـ «البيان» إن «الروس يأملون أن يتراجع الصمود الغربي في الملف الأوكراني، ومن ثم تراجع الدعم المقدم لكييف، مع حاجة أوروبا للغاز الروسي، لا سيما في الشتاء القادم، وفي ضوء الإشكاليات التي تعاني منها عدد من البلدان في مناطق مختلفة، مثل مشكلات الخبز والأزمات الناجمة عن اضطرابات سوق الحبوب».

ومع ذلك يشير إلى أن «الغرب لا يزال يواصل دعمه لأوكرانيا، ويأمل انسحاب الروس، وقد حصلت أوكرانيا على مساعدات عسكرية تضمنت أسلحة مضادة للدبابات والصواريخ».

يتلخص الوضع حالياً في سعي الدول الأوروبية لإعادة ملء مخزونها من الغاز الطبيعي (بعد أن بلغت حوالي النصف تقريباً)، في وقت ترى فيه المفوضية الأوروبية أنه من الضروري الانتهاء من ملء المخزون بنسبة تصل إلى 80% قبل حلول شهر نوفمبر المقبل.

بينما البدائل المُتاحة حالياً لا تكفي لبلوغ ذلك الهدف وتعويض الغاز الروسي. في وقت تشكل فيه تلك البدائل من الغاز الطبيعي المسال سواء من الولايات المتحدة أو الجزائر أو قطر وغيرهم، تكلفة أعلى من الغاز عبر خطوط الأنابيب.

ويلفت بارفي إلى بدائل أوروبا للمضي قدماً في تعويض الغاز الروسي -لا سيما في ظل التهديدات بقطع الإمدادات تماماً بعد التخفيض ضمن الأسلحة التي بحوزة روسيا في مواجهة الغرب - من بينها الواردات من دول أفريقية، ومصر وإسرائيل (بعد أن تم توقيع مذكرة تفاهم بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي لتصدير الغاز)، لمواجهة الأزمة الراهنة وارتفاع أسعار الغاز.

واتفق زعماء مجموعة السبع أخيراً على بحث وضع حد أقصى لأسعار الواردات من النفط والغاز الروسيين، ذلك ضمن محاولات الحد من قدرة موسكو على تمويل عمليتها العسكرية في أوكرانيا.

تحدي موسكو

من جانبه، يقول الرئيس التنفيذي في مركز كوروم للدراسات الاستراتيجية طارق الرفاعي، في تصريحات لـ«البيان» إن «أوروبا لن تستطيع التخلي عن الغاز الروسي»، بخلاف التصريحات الواردة من المعسكر الأوروبي بأنه يمكن لدول أوروبية تحدي موسكو والمضي قدماً في خطط عزلها والتصدي لأي قطع محتمل لكامل الإمدادات من الغاز الروسي.

ويشير إلى أنه منذ بدء العملية الروسية في أوكرانيا في الرابع والعشرين من شهر فبراير الماضي، وتبعاتها «رأينا محاولات عزل روسيا وما ترتب على ذلك من تخفيض وقطع إمدادات الغاز، أدى ذلك كله إلى مشكلات اقتصادية وارتفاع حاد في الأسعار في أوروبا.. وبالتالي فإن الأكثر تضرراً لم يكن الطرف المُستهدَف (روسيا) إنما كان الدول المستهدِفة نفسها (أوروبا)»، بما يضع الدول الأوروبية في مأزق.

ويلفت الخبير الاقتصادي إلى المساعي الأوروبية لإيجاد بدائل للغاز الروسي سواء من دول عربية مثل قطر (التي طالبت بإبرام عقود طويلة الأجل) أو دول أخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي تستورد منها القارة العجوز الغاز المسال.

وبلغت واردات الغاز المسال من الولايات المتحدة إلى أوروبا حوالي 45% من الغاز المسال بدول الاتحاد الأوروبي خلال الشهرين الماضيين، طبقاً لبيانات Vortexa، بينما مثلت الواردات من قطر ما يزيد على الخُمس تقريباً.

لكن الرفاعي لا يعتقد بأن تلك البدائل ناجعة لتعويض أوروبا وتخليها بشكل كامل، ويقول: «لا يمكن التخلي عن الغاز الروسي دون تبعات مكلفة، لا سيما تكلفة الشحن على سبيل المثال من الولايات المتحدة»، مشيراً في الوقت نفسه إلى لجوء دول أوروبية إلى التخلي عن أهدافها الخضراء والتزامات الحد من آثار التغير المناخي، وذلك من خلال السماح باستخدام الفحم، لكنه في الوقت نفسه يلفت إلى أن الواردات من الفحم الروسي تشكل 40% من الفحم في أوروبا أيضاً.