الأسلحة الفردية في أمريكا.. تجارة لا تكترث بالدماء

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

اقتناء السلاح الفردي في الولايات المتحدة من بين الحقوق التي أقرها دستورها، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي تسمح لمواطنيها بحمل السلاح حتى في الشارع باعتباره «حرية شخصية». لكن تزايد أعمال العنف التي خلفتها حوادث إطلاق النار جعلت الأصوات تتعالى لوضع حدٍ للعنف ومراجعة التشريعات الخاصة بحيازة السلاح، علماً بأن هذه المطالبات قديمة، وتتجدد مع كل حادثة وسقوط ضحايا.

تجدد الجدل في الولايات المتحدة بشأن الأسلحة الفردية، بعد أيام من حادثة إطلاق نار جماعي، راح ضحيتها 10 أشخاص في سوبرماركت في بوفالو بشمال شرق الولايات المتحدة، كما أعقبتها حادثة إطلاق نارٍ راح ضحيتها 19 طفلاً في مدرسة في تكساس.

وفي مطلع يونيو، قتل ما لا يقل عن 12 شخصاً، وأصيب أكثر من 60 آخرين في 10 حوادث إطلاق نارٍ جماعي، في مناطق متفرقة منها خلال حفلات التخرج أو نادٍ ليلي أو منطقة ترفيهية شهيرة أو مركز تجاري.

وتشهد الولايات المتحدة عمليات إطلاق نارٍ شبه يومية في الأماكن العامة وتسجل المدن الكبرى على غرار نيويورك وشيكاغو وميامي وسان فرانسيسكو ارتفاعاٍ لمعدل الجرائم المرتكبة بأسلحة نارية، بحسب وكالة فرانس برس.

منظمة «ذا غن فيولنس أركايف» الأمريكية أحصت حدوث 417 حادثة إطلاق نارٍ جماعية في 2019، كما رصدت 213 عملية حادثة إطلاق نارٍ جماعية منذ بداية 2022، في حين تقول منظمة «إيفيري تاون» الأمريكية إلى أنه منذ عام 2013، تم الإبلاغ عن نحو 300 حادثة إطلاق نارٍ في المدارس الأمريكية.

علاقة فريدة

في محاولة لتفسير الظاهرة، نشرت شبكة «سي إن إن»، تقريراً في مايو الماضي، قالت فيه إن الأمريكيين يرتبطون بعلاقة «فريدة» من نوعها مع فكرة امتلاك السلاح. واعتبرت أن «امتلاك السلاح» يعتبر أمراً «مقدساً». وأشارت - نقلاً عن مسح للبيانات أجرته مؤسسة «ساس» المتخصصة في دراسات الأسلحة ومقرها سويسرا- إلى أن هناك 120 قطعة سلاح لكل 100 أمريكي.

وأظهرت الأرقام كذلك أن الولايات المتحدة تتصدر العالم فيما يتعلق بمخزون الأسلحة الفردية، حيث إن الأمريكيين يمتلكون 393 مليون قطعة سلاح، أي نحو 46 في المئة من مخزون الأسلحة الفردية في العالم. وشهدت طفرة في إنتاج الأسلحة الفردية لتتخطى 140 مليون قطعة سلاح، بحسب تقرير لموقع المكتب الأمريكي للكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات «ATF»، في مايو الماضي. ويؤكد التقرير أنه في عام 2020 وحده، أنتجت المصانع الأمريكية للأسلحة، أكثر من 11 مليون سلاح.

ولم تكتفِ السوق الأمريكية بما تنتجه، فبحسب التقرير، استوردت الولايات المتحدة، في الفترة نفسها، 71 مليون قطعة سلاح ناري، وصدرت 7.5 ملايين قطعة فقط.

ووفق التقرير، فإن عدد شركات صناعة السلاح زاد من 2222 شركة عام 2000 إلى 16,936 شركة عام 2020.

حقائق مرعبة

موقع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» ذكر في تقرير أنه تم ارتكاب 14249 جريمة قتل في الولايات المتحدة خلال عام 2014 من بينها 9675 بواسطة الأسلحة النارية أي 68% من هذه الجرائم. وكذلك سجل وقوع 5.9 ملايين جريمة عنف خلال 2014.

ومن بين الأرقام المرعبة أن 56 % من جرائم الاعتداء و30% من السرقات و39% من جرائم الاغتصاب و65% من جرائم القتل التي تم إبلاغ الشرطة عنها عام 2014 ارتكبها أشخاص معروفون لدى السلطات القضائية الأمريكية، وأن 31% من الأسر الأمريكية كان لديها سلاح في المنزل عام 2014 وهي أدنى نسبة منذ 40 عاماً.

وسجل عام 2011 سقط 33 ألف شخص ضحية جرائم بواسطة السلاح الناري أي بمعدل 268 شخصاً في اليوم الواحد. وكشف الموقع أن الولايات المتحدة انتجت 5.5 ملايين قطعة سلاح فردي وبيع 95% منها في السوق الأمريكية. وقال إن 20% من مالكي السلاح في الولايات المتحدة يملكون 65% من الأسلحة الفردية لدى الأفراد في الولايات المتحدة.

وينقل موقع «اليوم السابع» عن باحثين فى جامعات هارفارد ونورث إيسترن، قولهم إنه من بين 265 ‏مليون سلاح ناري مملوك للقطاع الخاص في الولايات المتحدة، فإن نحو النصف مملوك بنسبة 3% ‏من السكان البالغين، وبينما يمتلك نحو نصف مالكي الأسلحة سلاحاً واحداً أو ‏مسدسين، فإن 8% من مالكي الأسلحة يمتلكون 10 أو أكثر - وهو رقم يصل إلى حوالى 40% من إجمالي ‏مخزون الأسلحة الأمريكية.‏

ويقول معظم مالكي الأسلحة إنهم يمتلكون سلاحاً لأكثر من ‏سبب، والحماية هي حافز الغالبية العظمى من الناس. ووجد استطلاع أجرته مؤسسة غالوب أن 88% من ‏مالكي الأسلحة اعتبروا الحماية من الجريمة سبباً لامتلاك سلاح وقال 70% إنها للصيد.‏

أين الحل؟

الارتفاع في جرائم إطلاق النار، دفع الرئيس الأمريكي جو بايدن للدعوة إلى وضع ضوابط لقطاع الأسلحة النارية، والقول بغضب «حان الوقت لتحويل الألم إلى تحرك»، متسائلاً: «متى، حباً بالله، سنقف بوجه لوبي الأسلحة؟». ودعا لما أسماه بـ«عقاب المشرعين»، بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وعدم إعادة انتخاب من تربطهم مصالح بمصنعي الأسلحة، ومن يعرقلون التشريعات لفرض قيود على حيازة السلاح.

السناتور الديمقراطي كريس مورفي من ولاية كونيتيكت، الذي يقود المفاوضات بين الحزبين حول إصلاح قوانين حيازة السلاح، قال إنه يتعين على الكونغرس سن قوانين حيازة الأسلحة، مع تشديد إجراءات فحص الخلفية، ورفع الحد الأدنى لسن شراء الأسلحة الهجومية، وإصدار قانون «العلم الأحمر» على المستوى الفيدرالي، وهو تعميم لقوانين محلية تصدرها المجالس التشريعية للولايات تسمح لمسؤولي إنفاذ القانون بمصادرة الأسلحة النارية من الأفراد الذين تعتبرهم المحكمة خطرين.

ورأى أن تنفيذ هذه الخطوات ليس مستحيلاً، بل يحتاج إلى أن يتخلص الكونغرس من حالة الجمود وتمرير تشريع إصلاح حيازة الأسلحة الذي يمكن أن ينقذ الأرواح دون انتهاك حقوق التعديل الثاني، حسب موقع «اليوم السابع».

وأصدر الكونغرس في 1994 قانوناً بحظر التصنيع والاستخدام المدني للأسلحة النارية نصف الآلية والأسلحة الهجومية لمدة 10 سنوات، وبالفعل انتهى الحظر في سبتمبر 2004، وفشلت محاولات تجديد الحظر. وفي 2013 رفض مجلس الشيوخ مشروع قانون يقيد السماح بحمل الأسلحة، وكان ينص على توسيع التحريات والحصول على السجل العدلي لكل من يرغب في شراء قطع سلاح.

انقسام حزبي

لكن هذا الملف يشهد انقساماً تاريخياً بين الحزب الجمهوري والديمقراطي بشأن تفسير نصوص الدستور في هذا الصدد، حيث ينص التعديل الثاني للدستور (1971) على «حرية امتلاك السلاح»، وهو النص الذي يراه الديمقراطيون حقاً قاصراً على الولايات المكونة للاتحاد الأمريكي، وأن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة أرادوا هذا الحق للبلد كسلطات فيدرالية، وليس حقاً مطلقاً للأفراد.

في المقابل، يرى الحزب الجمهوري أن امتلاك السلاح وحيازته حق أصيل يكفله الدستور للأفراد، وصوت الجمهوريون في مناسبات عدة بالكونغرس ضد أي تعديل على ضوابط حيازة السلاح.

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي، في تصريح لرابطة الأسلحة الوطنية إنه «لن ينتهك أبداً هذا الحق»، في إشارة إلى حق اقتناء السلاح الفردي.

وبانتظار حسم المعركة بين تجار السلاح ومن يدعمهم من المشرعين من جهة، والداعين إلى تقنين السلاح وتصعيب اقتنائه، لا يعلم الأمريكيون كم سيدفعون من الضحايا، ومن الذي بإمكانه وقف هذه التجارة التي لا تكترث بالدماء.

طباعة Email