قبيل أيام من بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في 24 فبراير الماضي، كانت بعض التوقعات الغربية تشير إلى احتمال «سقوط سريع لكييف». لكنّ شيئاً من ذلك لم يحدث، فقد استمرت أوكرانيا في المقاومة على مدار الشهرين الأخيرين، مدعومة بالمساعدات العسكرية الغربية والأمريكية. فما أبرز السيناريوهات التي تلف مصير هذه المواجهة؟
يستبعد محللون «الحلول الدبلوماسية» السريعة في الوقت الراهن للأزمة الأوكرانية، ويرجحون السيناريوهات التصعيدية، في ظل ما تُظهره التطورات السياسية والميدانية والعسكرية على الأرض.
شبكة «فوكس نيوز» نقلت عبر موقعها الإلكتروني في 6 فبراير الماضي (قبل 18 يوماً من بدء العملية الروسية)، معلومات من جلسة تقييم رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، للموقف، أمام الكونغرس الأمريكي وتضمن تلك التقديرات المشار إليها.
اليوم تدخل الحرب الروسية الأوكرانية شهرها الثالث، فيما تحظى القوات الأوكرانية بمساعدات أوروبية وأمريكية، لا سيما شحنات الأسلحة (أكثر من 30 دولة قدمت مساعدات عسكرية لكييف، بما في ذلك مليار دولار من الاتحاد الأوروبي و1.7 مليار من الولايات المتحدة)، بينما لا تزال الأوضاع الميدانية «بالغة الصعوبة» بالنسبة لأوكرانيا من ناحية الجنوب ومنطقة دونباس، في ظل تواصل الحشد الروسي.
ثمة خطوط حمراء تفرض نفسها على المشهد، ربما يشكل كسرها في أية لحظة، إسهاماً مباشراً في تأجيج صراع أكبر وأعمق، وصولاً إلى الحرب المباشرة بين روسيا والغرب. فالاتحاد الأوروبي لا يزال يمتنع عن إمداد أوكرانيا بمعدات هجومية ثقيلة، خشية تحويل الأزمة إلى صراع مفتوح، بينما موسكو التي تلوح بـ «سلاح الردع الاستراتيجي» يبقي على خيار استخدام الأسلحة النووية التكتيكية ضمن الخطوط الحمراء التي تحفظ قدراً من الاتزان في حرب النفس الأطول.
3 فرضيات
تبزغ هنا ثلاث فرضيات أساسية، بحسب مستشار العلاقات الدولية تيمور دويدار، والذي يشير في تصريحات لـ «البيان» من القاهرة إلى استخدام موسكو تعبير «عملية عسكرية خاصة» لوصف عمليتها في أوكرانيا وليس إعلان الحرب حتى الآن. وتهدف تلك العملية لدعم محافظتي لوغانسك ودونيتسك عسكرياً «وتحريرهما» من القوات العسكرية المعادية للمنطقتين اللتين اعترفت بهما موسكو دولتين مستقلتين.
الفرضية الأولى ترتبط بسعي موسكو لحسم ملف المنطقتين المذكورتين، وبالتالي «ربما تتوقف القوات الروسية عن تنفيذ أي عمليات عسكرية بعد تأمين حدود لوغانسك ودونيتسك، ويمكن أن تأخذ روسيا بعدها مدينة خاركيف وينتهي الأمر». ويشير إلى أن البنية «التحتية العسكرية الأوكرانية تقريباً غير متوفرة حالياً، علاوة على الوقود وإمدادات الطاقة .. الموضوع شبه محسوم في انتظار المعركة الأخيرة».
أما الفرضية الثانية فترتبط باحتمالية اتجاه موسكو للاستمرار في الاستيلاء على مدن جنوب أوكرانيا كافة بدءاً من ميكولايف وأوديسا وحتى حدود مولدوفا «وهذا يتطابق مع المنطق في إدارة هذه الأزمة، إذ إن هذا المناطق تعتبر تاريخياً روسية.. وسيرفع الكرملين حينئذ راية النصر في الداخل»، بحسب مستشار العلاقات الدولية.
وتتعلق الفرضية الثالثة، وفق دويدار، باحتمالية سعي روسيا إلى الاستيلاء على أوكرانيا عموماً وإدارتها، مشدداً على أن روسيا «حتى الآن لم تستخدم كل وسائلها العسكرية».
الردع النووي
خطر لجوء روسيا إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية أو تحول الصراع إلى حرب أوروبية يظل حاضراً دائماً في أذهان القادة الغربيين، وهنا تكون الرهانات عالية وخطيرة، طبقاً لتحليل كتبه مراسل الشؤون الأمنية في «بي بي سي»، فرانك غاردنر، الذي حذر من هذا السيناريو.
وحدد ثلاث حالات يمكن أن يحدث فيها ذلك، الأولى: حال زوّد «الناتو» القوات الأوكرانية بصواريخ مضادة للسفن، والثانية: إذا استهدفت القوات الروسية بضربة صاروخية استراتيجية قافلة إمداد بالمعدات العسكرية العابرة من إحدى دول «الناتو»، والحالة الثالثة: حال أدى القتال في دونباس إلى تعرّض منشأة صناعية لإصابة ننتج عنها غازات سامة.
سيناريوهات ميدانية
المحلل السياسي الإيطالي بموقع «ديكود 39»، ماسيميليانو بوكوليني، يقول لـ «البيان» من القاهرة: إن الهدف الرئيس للجيش الروسي في هذه اللحظة هو السيطرة على دونباس بأكملها وتوحيدها مع شبه جزيرة القرم بحلول 9 مايو، موعد الاحتفال بالنصر في الحرب العالمية الثانية.
لكنه يعتقد بأن «دونباس لا تكفي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إنه ينوي الاستمرار، وكذلك الأوكرانيين الذين تلقوا أسلحة متطورة جديدة من الناتو، لهذا السبب من المتوقع أن تستمر العملية لفترة طويلة».
ويستبعد المحلل الإيطالي الحلول الدبلوماسية في ضوء المستجدات، لكنه يرى أنه ربما في مرحلة لاحقة «يمكنهم استئناف المفاوضات إذا سيطر الروس على كل دونباس قبل 9 مايو، وقدم الأوكرانيون تنازلات».
ويتابع: «يدفع الأمريكيون الأوكرانيين للاستمرار، بينما يريد الأوروبيون حلاً سياسياً، لأنهم بحاجة إلى الغاز الروسي».
عملية مستمرة
ساعدت المساعدات العسكرية مثل الصواريخ المضادة للدبابات والمضادة للطائرات (جافلين وستينغر وستارستريك) في دعم موقف أوكرانيا التي لا تريد روسيا ترك المجال فيها للغرب لاستخدامها كورقة ضغط على موسكو.
ومع تعثر السيناريو الأول «الحسم السريع»- طبقاً لما قاله الخبير الاستراتيجي الدكتور فواز بن كاسب العنزي لـ«البيان»، فإن ثمة سيناريوهات أخرى تطرح نفسها على المشهد، آخرها خيار الحلول الدبلوماسية والسياسية التي يرى العنزي احتمالها «ضعيفاً في الوقت الراهن»، بالنظر إلى المؤشرات على الأرض.
ومع صعوبة توقع ما قد يمكن أن تحمله الأيام المقبلة من تطورات سياسية وميدانية وعسكرية، يميل الخبير الاستراتيجي لترجيح كفة سيناريو «استمرار المواجهة» بشكل أو بآخر، لا سيما في ظل الدعم الأمريكي والأوروبي الذي تحظى به كييف «وهو دعم قد يستنزف روسيا».
ويضيف: «قد تستمر العملية لسنوات عديدة، تتخللها فترات توقف محدودة قد تستفيد منها روسيا.. بينما الاحتمال الأخطر يكمن في منظور العقيدة العسكرية الروسية وهو الاستخدام المحدود للسلاح النووي، وهو ما يعد كسراً للمحرمات الدولية، وقد تلجأ إليه موسكو حال تصاعد الموقف، ما يسهم في امتداد التصعيد ليس فقط في الإقليم الأوروبي، إنما في مناطق الاحتكاك والتنافس العالمي، وبما يوسع دائرة الصراع على المستوى العالمي، لما له من انعكاسات أمنية واقتصادية خطيرة مستقبلاً».
