العملية العسكرية الروسية المستمرة في أوكرانيا على مدار الشهرين الماضيين، تفاقم التحديات التي تواجه الجهود الدولية للتصدي لـ «أزمة المناخ»، وذلك لجهة تداعيات الأزمة السلبية على تعهدات الدول الكبرى بخصوص خفض انبعاثات الكربون للوصول إلى هدف الحد من معدلات الاحترار إلى درجة ونصف مئوية؛ إذ تتطلع دول القارة العجوز - تحت وطأة تبعات العملية الروسية - إلى الاعتماد على مصادر بديلة للغاز الروسي لتحقيق الاستقلال في هذا القطاع، ما يدفع بعض تلك الدول إلى الاتجاه للفحم كمصدر بديل.

من المؤكد أن الاعتماد على الفحم «كمصدر بديل للغاز الروسي يوجّه ضربة للتعهدات المرتبطة بالجهود العالمية لمواجهة التغير المناخي، ما يشكل تهديداً للأهداف الدولية التي أكدتها قمة باريس والالتزامات التي جدّدتها قمة غلاسكو للمناخ العام الماضي.

في مارس الماضي، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، من تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية على المناخ والتزامات وتعهدات الدول الكبرى، لافتاً إلى أن التقلّبات التي تشهدها سوق الطاقة -ضمن تبعات أزمة أوكرانيا- من شأنها عرقلة عملية التحوّل إلى مصادر الطاقة النظيفة.

وبحسب غوتيريش، فإن تداعيات العملية «يمكن أن تنجم عن اتباع دول أوروبا والاقتصادات الكبرى استراتيجيات لإيجاد بدائل عن الوقود الروسي... قد تؤدي هذه الإجراءات قصيرة الأمد إلى اعتماد طويل الأجل على الوقود الأحفوري»، الأمر الذي يشكل ضرراً كبيراً بالبيئة وجهود الحد من أزمة التغير المناخي.

مستشار برنامج المناخ العالمي الدكتور مجدي علام، يقول لـ«البيان» من العاصمة المصرية، «إن الأزمة التي تواجهها إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا في ظل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا تدفع الغرب للبحث عن مصادر بديلة (تحقق بها الاستقلال في مجال الطاقة) من بينها الاتجاه إلى محطات الفحم، والتفكير في إعادة تشغيل المحطات التي سبق غلقها، كما هو الحال في ألمانيا على سبيل المثال، لا سيما أن الخيارات الأخرى وبدائل الغاز الروسي ستكون تكلفتها أعلى من خط الغاز المتدفق مباشر من روسيا لأوروبا عبر أوكرانيا».

ويوضح رئيس الاتحاد النوعي للمناخ بالقاهرة، أن آثار تلك الأزمة شديدة في أوروبا، وقد انعكست على الأسعار بشكل كبير هناك، وبالتالي يتم التفكير في تلك المصادر البديلة، والتي لها انعكاسات بيئية شديدة من شأنها تقويض التعهدات المرتبطة بمواجهة أزمة التغير المناخي، الأمر الذي يضع العالم أمام تحديات كبيرة في هذا الصدد تمثل تحدياً أمام تنفيذ المستهدفات البيئية وتعهدات الدول الكبرى.

آثار مزدوجة

ويستهدف العالم - طبقاً لمقررات قمة باريس للمناخ 2015 والتي أكدها منتدى غلاسكو العام الماضي - الحد من معدلات الاحترار إلى درجة ونصف مئوية فقط قبل نهاية القرن الحالي (ولتحقيق هذا الهدف يتعين خفض إنتاج الكربون إلى النصف بحلول نهاية العقد الجاري). وتلتزم الدول الصناعية الكبرى - المسؤولة عن النسبة الأكبر من الانبعاثات - بتعهدات قمة باريس، وكذا دعم الدول النامية لمواجهة الأزمة.

ويلفت الخبير البيئي في السياق ذاته إلى الآثار المزدوجة للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، والتي بدأت قبل شهرين، على الأمن الغذائي الذي يتأثر بالتغيرات المناخية، فضلاً عن تأثر عديد من الدول حول العالم بالخلل في إمدادات الحبوب من روسيا وأوكرانيا باعتبارهما المصدرين الأساسيين للعالم، وجميعها عوامل متزامنة ترفع حدة الأزمات، ولا سيما أزمة المناخ.

المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص بالمناخ، جون كيري، كان لفت في تصريحات سابقة له إلى آثار الصراعات القائمة على «التغير المناخي» لجهة إمكانية إسهام تلك الأزمات في تقليل الاهتمام العالمي بأزمة المناخ، وإقصائها من أجندة أولويات الاهتمامات العالمية. وتحدث كيري بشكل خاص عن «العملية الروسية في أوكرانيا»، واعتبر أنها قد تسهم في صرف انتباه العالم عن قضية التغير المناخي.

يقول أستاذ المناخ والدراسات البيئية بالقاهرة الدكتور علي قطب لـ «البيان»، «إن الأزمة الدائرة حالياً بين روسيا وأوكرانيا وتبعاتها المختلفة من شأنها أن تقوّض تنفيذ ما صدر من توصيات وتعهدات في مؤتمر باريس للمناخ 2015 وقمة غلاسكو 2021، الهادفة إلى الحد من معدلات الاحترار إلى درجة ونصف مئوية فقط قبل نهاية القرن الحالي».

ويتابع: «التوسّع في الطاقات النظيفة من أسلحة مواجهة أزمة المناخ، بينما تداعيات الأزمة المرتبطة بالارتباك الحادث في إمدادات الطاقة، تسهم في عرقلة تلك التوجهات بشكل أو بآخر، والاستمرار في الوقود الأحفوري رخيص الثمن وغير صديق للبيئة والمسبب لغازات الاحتباس الحراري ضمن الأدوات التي تلجأ لها الدول الأوروبية كبدائل».

بديل جنوني

وكان الأمين العام للأمم المتحدة، وصف الاعتماد مجدداً على الوقود الأحفوري بسبب أزمة أوكرانيا بـ«الجنون» وفي خط متوازٍ مع ارتفاع سريع في أسعار الفحم والنفط والغاز بعد بدء العملية العسكرية الروسية في الرابع والعشرين من فبراير الماضي.

ويشير الخبير البيئي في معرض تصريحاته لـ«البيان» من العاصمة المصرية، إلى أن الدول الصناعية الكبرى تعهّدت بتحييد أثر الكربون بحلول العام 2050، بينما تداعيات العملية الروسية في أوكرانيا تشكل تهديداً للالتزام بتلك التعهدات، لا سيما مع التقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة، ما من شأنه عرقلة الاعتماد على الطاقة النظيفة، والاعتماد بشكل كبير على الوقود الأحفوري. كما قد تؤثر الحرب ضمن تداعياتها المحتملة على تعهدات الدول الصناعية الكبرى بتقديم 100 مليار دولار سنوياً للدول النامية الأكثر تأثراً بأزمة المناخ.

وفي سياق متصل، يحذر في الوقت نفسه من تبعات أي استخدام للأسلحة البيولوجية أو النووية في الحرب، وتأثيرها شديد الخطورة الذي يفاقم أزمة المناخ، ذلك بالإشارة إلى التلميحات الروسية باستخدام سلاح الردع النووي.