بلدانه تشكّل 40% من سكان العالم ومساحتها 27% من اليابسة

تحالف «بريكس».. هل يؤسس لنظام دولي جديد؟

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

في خضم الأزمة الأوكرانية الراهنة، يكرر كثير من المحللين، أن ما يجري على جبهة أوكرانيا، مخاض لولادة نظام عالمي جديد، على أنقاض النظام أحادي القطبية، الذي نشأ إثر تفكك الاتحاد السوفييتي. وقد بدأ النظام الأحادي يتآكل تدريجياً، مع صعود الصين، ونهضة الدب الروسي، مع دخول فلاديمير بوتين إلى الكرملين. وفي الآونة الأخيرة، برز تحالف «بريكس» كقطب سياسي واقتصادي. فهل ينجح هذا التحالف، الذي يضم روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، في هذه المهمة التاريخية؟.

شهد عام 2006، مفاوضات لإنشاء تحالف دولي يكسر الهيمنة الاقتصادية والاقتصادية للدول الغربية على العالم. تلك المفاوضات، أثمرت ولادة ذلك التحالف، كمنظمة سياسية اقتصادية، عقدت أول قمة في 16 يونيو 2009، في مدينة يكاترينبورغ الروسية، بمشاركة البرازيل وروسيا والهند والصين أولاً، ثم انضمت إليها جنوب أفريقيا في 24 ديسمبر 2010، ليولد تحالف دولي جديد باسم «بريكس»، وهي كلمة أخذت الحرف الأول من كل دولة عضو.

يشكّل عدد سكان دول «بريكس»، 40 % من سكان العالم، وتغطي الدول الأعضاء فيه، مساحة تزيد على 39 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل 27 % من مساحة اليابسة. ويتجاوز حجم اقتصادات دوله، الناتج المحلي الإجمالي لدول مجموعة السبع، الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا واليابان وفرنسا وكندا وإيطاليا. ووفقا لبيانات صندوق النقد الدولي فإن حجم الناتج المحلي الإجمالي لدول «بريكس»، طبقا للقوة الشرائية، يبلغ 44.1 تريليون دولار، فيما يبلغ حجم اقتصادات دول مجموعة السبع الكبرى 40.7 تريليوناً.

أربع دول في «بريكس»، هي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، تمثّل ما يقرب من ربع الاقتصاد العالمي، وساهمت بأكثر من نصف النمو العالمي في 2016، وهي تنتج 30 % مما يحتاجه العالم من السلع والمنتجات. وهذه الدول الأربع، تعتبر من بين أكبر عشر دول تحتفظ باحتياطيات تبلغ نحو 40 % من مجموع احتياطيات العالم.

وباعتبار أن الربط الاقتصادي بين الدول، هو مدخل رئيس لتحقيق التعاون السياسي، أنشأ التحالف «بنك التّنمية الجديد»، ومقره مدينة شنغهاي الصّينيّة، و«صندوق بريكس»، لهدف معلن، هو دعم النّموّ والتّنمية على المستوى الدولي. لكن محللين رأوا في المؤسستين، بديلين مستقبليين للبنك الدّوليّ وصندوق النقد الدّولي.

هذا يعني أن هدف إقامة عالم ثنائي القطبية، ليس وليد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، بل إنه ظهر قبل أكثر من عشر سنوات. ويلحظ العديد من المحللين- حتى قبل الأزمة الأوكرانية- أن «بريكس» يعمل على إعادة هيكلة نظام دولي جديد، يؤمن بالتعددية، وينبذ التفرد في صنع القرار الدولي. لم يكن هذا الهدف واضحاً تماماً في نشاط هذا التحالف، الذي أظهر وجهاً اقتصادياً منذ إنشائه، لكن الأزمة الأوكرانية، وما سبقها وتخللها من عقوبات غربية غير مسبوقة، رفعت الهدف السياسي إلى السطح. ويرى هؤلاء أن «بريكس» يملك مقومات تؤهله لتشكيل قطب دولي فاعل وقادر على وضع قواعد لهذا النظام الجديد.

عقوبات متبادلة

لم تستسلم روسيا للعقوبات غير المسبوقة التي فرضها الغرب عليها، بسبب عمليتها العسكرية في أوكرانيا، بل شنّت هجمة عكسية، حيث فرضت على مشتري النفط والغاز منها، أن يدفعوا بالروبل، ثم دعت حلفاءها من تحالف بريكس، إلى التخفيف من استخدام اليورو والدولار، كل ذلك أثار قلق أوروبا والولايات المتحدة. فهل تتحوّل «بريكس» مالياً إلى بديل لـ «سويفت»؟.

روسيا، التي تتعرض لحملة من العقوبات الغربية غير مسبوقة في التاريخ، دعت تحالف بريكس، الذي يضم إلى جانبها الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، إلى تمديد استخدام العملات الوطنية، ودمج أنظمة الدفع، بعدما قطعت العقوبات روسيا عن النظام المالي العالمي، وعما يقرب من نصف احتياطياتها من الذهب والعملات الأجنبية، والتي بلغت 606.5 مليارات دولار، في أوائل أبريل.

وقال وزير المالية الروسي، أنطون سيلوانوف، في اجتماع وزاري، عقده التحالف افتراضياً في الثامن من أبريل الجاري، إن الوضع الاقتصادي العالمي، ساء بشكل كبير، بسبب العقوبات الغربية، موضّحاً أن لدى دول بريكس جميع الأدوات اللازمة للتخفيف من سياسة العقوبات على اقتصاداتها والاقتصاد العالمي، وفقاً لوكالة رويترز.

سيلوانوف أوضح أن العقوبات الغربية تقضي على أسس النظام النقدي والمالي الدولي، القائم على الدولار الأمريكي، مستنتجاً أن «هذا يدفعنا إلى الحاجة إلى تسريع العمل في استخدام العملات الوطنية لعمليات التصدير والاستيراد، وتكامل أنظمة الدفع والبطاقات، ونظام الرسائل المالية الخاص بنا، وإنشاء وكالة تصنيف مستقلة لدول البريكس»، حسب سيلوانوف.

بدوره، قال وزير المالية الصيني ليو كون: «في السنوات الأخيرة، حافظت دول بريكس على زخم تعاون قوي، وقدمت مساهمات مهمة لتحسين الحوكمة الاقتصادية العالمية، وتعزيز استئناف التنمية عالية الجودة للاقتصاد العالمي»، وفق ما نقلت وكالة شينخوا الصينية. وأضاف أنّ الصين ستتخذ خطوات، مثل تبادل المعلومات، وإجراء تبادل الخبرات في الاستثمار في البنية التحتية، لتعميق التعاون المالي بين دول «بريكس». ووافقت البنوك المركزية في «بريكس»، على اختبار جديد لآليةٍ تجمع الاحتياطي الطارئ لدول التحالف، باستخدام عملات بديلة.

هيمنة الدولار

في إطار العقوبات، علّقت بطاقات الدفع الدولية مثل «فيزا» و«ماستر كارد»، عملياتها في روسيا، في أوائل مارس، وفقدت أكبر البنوك الروسية إمكانية الوصول إلى نظام الرسائل المصرفية العالمي SWIFT. لكن روسيا كانت قد أنشأت نظام الرسائل المصرفية الخاص بها، والمعروف باسم SPFS، كبديل لنظام SWIFT، وبدأ نظام الدفع بالبطاقة الخاص به MIR، العمل عام 2015.

فعلت موسكو ذلك عام 2015، في العام الذي تلا ضمّها شبه جزيرة القرم، حيث لجأت إلى تطوير أدوات مالية محلية، لحماية اقتصادها في حالة توسيع العقوبات ضد موسكو.

تعليقاً على تجميد الولايات المتحدة وحلفائها للاحتياطيات الروسية، طرح الكاتب الإسباني رفائيل بوتش، سؤالاً في مقال له بصحيفة «بوبليكو» الإسبانية، في 28 مارس الماضي، قال فيه: هل بدأت الولايات المتحدة بتدمير هيمنة الدولار بنفسها، وإعلان إفلاسها؟ يقول بوتش إن العقوبات الغربية «ستدفع بالروس والصينيين وغيرهم من الأعضاء في تحالف (بريكس) والدول الأخرى، ليبحثوا عن آليات وعملات أكثر أماناً. وهذا ليس على المدى البعيد، بل إن العملية قد بدأت».

يعيد بوتش إلى الأذهان، أن أية دولة من مجموعة «بريكس» (روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا)، لم تنضم إلى العقوبات ضد روسيا، وكذلك تركيا، وهي عضو في حلف الناتو، ودول عربية، ودول آسيا الغربية وآسيا الوسطى. ويضيف أن عدداً من الدول تجري مفاوضات مع الصين، حول بيع النفط مقابل اليوان، متسائلاً: «هل سيؤدي التخلص من الدولار في تجارة النفط، إلى إفلاس الولايات المتحدة؟»، حسبما نقل عنه موقع «روسيا اليوم».

بين نارين

تحت عنوان «أمريكا بين نارين: إما رفض سداد ديونها صيف أو خريف هذا العام، وإما موت الدولار خلال عام»، كتب الباحث الاقتصادي الروسي ألكسندر نازاروف، مقالاً، مما جاء فيه أنه «في ظرف شهرين، سيتحول التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى كرة ثلج تتسارع ذاتياً، حيث يؤدي التدهور إلى هروب رأس المال إلى الخارج، ما يؤدي إلى مزيد من التدهور.. سيزداد معدل التضخم مرات عدة، من 0.6 % شهرياً، إلى 1-2-5-10 % شهرياً، وسيتدهور الوضع بمرور الوقت. سيجبر ذلك الاحتياطي الفدرالي على رفع سعر الفائدة، من أجل خفض التضخم. أو بمعنى أصح، فإن خفض التضخم حقاً، يتطلب رفع معدل سعر الفائدة إلى قيمة تتجاوز التضخم، أي إلى حوالي 10 %. يعني ذلك الموت الفوري للاقتصاد الأمريكي».

لكن الكاتب السياسي علاء اللامي، رأى - في مقالة نشرها موقع «الأخبار» العراقي- أن هناك مبالغة ونزعة «انتصارية» غير واقعية في كلام نازاروف، معبّراً عن اعتقاده أن انهيار الاقتصاد الدولاري، وسقوط الهيمنة الغربية، لن يحدث قريباً وبسهولة، ذلك لأن الصراع ضارٍ، والاقتصادات الغربية قوية، رغم نقاط ضعفها الكثيرة، وهي تكافح الآن من أجل البقاء، وقد تلجأ لأكثر الخيارات خطورة، بما في ذلك استخدام السلاح النووي، لإفشال محاولات روسيا وحلفائها في «بريكس». ثم إن دول حلف الناتو، وبخاصة الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، لا تزال تمتلك القدرة على المناورة الاقتصادية والعسكرية والإعلامية.

ويقول اللامي إن الصراع الجاري حالياً، هو بين قطب جديد صاعد يولد، وآخر مترهل ومتضعضع، ولكنه ما زال مهيمناً، ويعتقد أن حسم المعركة يحتاج إلى وقت.

طباعة Email