جزر الكوريل.. هل تفتح جبهة جديدة بين روسيا والغرب؟

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

ما إن اتجهت الأنظار نحو الصراع الروسي الغربي شرقي أوروبا، على وقع الأزمة الأوكرانية، حتى تصاعدت نذر مواجهة جديدة شرقي آسيا، حيث النزاع القديم الجديد بين روسيا واليابان بشأن جزر الكوريل، إذ ردّت روسيا على انضمام اليابان للعقوبات الغربية ضدها، بمناورات عسكرية في الجزر المتنازع عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فهل هي جبهة جديدة؟

كان لافتاً في بيان وزارة الدفاع الروسية عن المناورات في جزر الكوريل، ورود إشارة تفيد بأن هذه المناورات تتضمن محاكاة قتالية لمواجهة ظروف تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل «من قبل العدو»، معتبرين ذلك علامة على أن روسيا تحتاط لوقوع أسوأ السيناريوهات.

في 21 مارس، أعلنت وزارة الخارجية الروسية عن وقف المحادثات بشأن الجزر كرد فعل على «خطوات غير ودية» من جانب طوكيو. كما ألغت روسيا اتفاقاً يسمح بسفر اليابانيين من دون تأشيرة إلى الجزر.

لكن الحكومة اليابانية أبدت رد فعل غاضباً، وعلّق رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، على إعلان موسكو قائلاً: «سلوك روسيا غير مبرر أو مقبول على الإطلاق»، مسجلاً احتجاج طوكيو «الشديد».

وعلى غرار الأزمة الأوكرانية، يعتقد مراقبون أن الموضوع هنا أيضاً أوسع من جزر لا تتعدى مساحتها 15.5 ألف كيلومتر مربع. ويرى مهند العزاوي، رئيس مركز صقر للدراسات في العراق «ملامح تحالف استراتيجي أوراسي بين روسيا والصين وكوريا الشمالية، وهذه المناورات هي خطوة استراتيجية تشير إلى أن الروس وحلفاءهم في الصين وكوريا الشمالية، قادرون على ردع أي محاولة لمزاحمتهم في مجالهم الحيوي وحدائقهم الخلفية في شرق آسيا وجنوبها وفي عموم منطقة المحيطين الهادئ والهندي»، وفقاً لما نقل موقع «سكاي نيوز عربية» عن الغزاوي.

وبرأي الباحثة في العلاقات الدولية لانا بدفان، فإن الرسالة الروسية من هذه المناورات العسكرية على مرمى حجر من اليابان، هي أن موسكو قادرة على التحرك في مختلف فضاءاتها الحيوية الاستراتيجية المترامية من شرق أوروبا لشرق آسيا، وأنها حريصة على حماية مناطق نفوذها في وجه التهديدات الأطلسية، وإثبات تفوقها وقدراتها الرادعة والهجومية معاً.

أين الأهمية؟

تقع جزر الكوريل بين شبه جزيرة «كامتشاتكا» الروسية وجزيرة «هوكايدو» اليابانية، وتمتد مسافة 1200 كلم، وتبلغ مساحتها 15.5 ألف كيلومتر مربع، ويسكنها أكثر من 20 ألف نسمة، وتنقسم إلى كوريل الشمالية وكوريل الجنوبية التي تطالب بها اليابان، ويدخل كلها ضمن مقاطعة سخالين الروسية، وهي منطقة غنية بالمعادن، ومن أكثر مناطق المحيط الهادئ غزارة بالأسماك والثروات البحرية الأخرى.

وجاء في موقع «جيوستراتيجيك ميديا» أن الجزر المتنازع عليها هي 14 جزيرة تقع بين اليابان وجزيرة ساخالين الروسية، وتقسم إلى جزر سلسلة الكوريل الكبيرة، وضمنها جزيرة إيتوروب التي تبلغ مساحتها 3 آلاف كيلومتر مربع، وجزيرة كوناشير التي تبلغ مساحتها 1.5 ألف كيلومتر مربع، وسلسلة جزر الكوريل الصغيرة، وضمنها جزيرة شيكوتان البالغة مساحتها 182 كيلو متراً مربعاً، وكذلك 5 جزر تابعة لارخبيل هابوماي ومجموعات من الجزر الصغيرة التي هي عبارة عن صخور بارزة من البحر، وهي جزر (اوسكولكي) و(وديومين) و(سكالني) التي تبلغ مساحتها العامة 118 كيلومتراً مربعاً.

ورغم مساحتها الضئيلة إلا أن جزر الكوريل الجنوبية لها وزن اقتصادي وعسكري استراتيجي، حيث تحتوي على ثروات كبيرة من النفط والغاز والمعادن (منها معادن نادرة كمعدن الريني الذي يوجد منجمه الوحيد في العالم في جزيرة إيتوروب التي تبلغ مساحتها 3 آلاف كلم مربع)، إضافة إلى الموارد المعدنية المستكشفة، بما فيها التيتانيوم والمغنيسيوم والكوبلت والنحاس والرصاص والزنك والبلاتين والذهب والكبريت. كما يوجد في جزيرة ايتوروب حقل وحيد في العالم من معدن الريني النادر، ومخزون هائل من الثروات البحرية، كما تتمتع بموقع استراتيجي وعسكري مهم، لذا فليس من المستغرب أن يدور حولها صراع متوارث ومتجدد.

عودة للوراء

النزاع حول جزر الكوريل ليس جديداً بل ممتد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد حال دون توصل طوكيو وموسكو لمعاهدة سلام، حيث تقول روسيا إن الجزر جزء من سلسلة الكوريل، في حين تعتبرها اليابان أقاليمها الشمالية. وأدى النزاع الإقليمي على هذه الجزر إلى توتر العلاقات بين البلدين لعقود.

تاريخياً، تعود خلافات البلدين إلى القرن الثامن عشر، وتشتمل على مطالبات وادعاءات طويلة، غير أنها اليوم تدور حول السيادة تحديداً على الجزء الجنوبي لجزر الكوريل الأربع «هابوماي» و«شيكوتان» و«كوناشير» و«ايتوروب»، التي تسيطر عليها روسيا، والتي يسمّيها اليابانيون «الأراضي الشمالية». وهذه الجزر روسيا الأربع ترفض روسيا الانسحاب منها، وترفض اليابان التنازل عنها.

كان الاتحاد السوفييتي السابق انتهز فرصة استسلام اليابان بعد هزيمة الأخيرة في الحرب العالمية الثانية عام 1945 لبسط سيادته على تلك الجزر التي تمدد إليها اليابانيون منذ القرن الثامن عشر، ثم تنازلت روسيا القيصرية عنها لليابان بموجب اتفاقية سيمود لسنة 1855 قبل أن تتنازل لليابانيين عن كامل سلسلة جزر الكوريل بموجب اتفاقية بطرسبورغ لسنة 1875 مقابل عدم الاعتداء.

أثناء الحرب العالمية الثانية، تمكن الاتحاد السوفييتي من إقناع حليفتيه بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في الائتلاف المضاد لهتلر بالموافقة على اعادة الاتحاد السوفييتي لأراضيه التي احتلتها اليابان. وفي فبراير عام 1945 عقد في مدينة يالتا المؤتمر الذي توصل إلى اتفاق حول موعد دخول الاتحاد السوفييتي الحرب مع اليابان، وذلك مع شرط أن يعاد إلى موسكو بعد انتهاء الحرب القسم الجنوبي من جزيرة ساخالين وجزر الكوريل. وبدأ الاتحاد السوفييتي عملياته الحربية ضد اليابان في شهر أغسطس عام 1945. وتم إنزال القوات السوفييتية على «الكوريل»، فاستسلمت اليابان في 2 سبتمبر 1945 وأعلن الاتحاد السوفييتي عن ضم الجزر إلى أراضيه.

اتفاق لم يوقّع

عام 1951، تم التوصّل لاتفاق سلام في سان فرانسيسكو، ينص على أنه ليس لليابان أي حقوق في جزر الكوريل، لكن لم يوقع عليه الجانب السوفييتي، لأن الاتفاق لم يشر على وجه التحديد إلى ما تم تضمينه في الكوريل. إذ إن أحد أعضاء وفد الدولة اليابانية قال إن الجزر الجنوبية عليها ليست ضمن «الكوريل»، وفقاً لتقرير نشره موقع «بودي أند فيس».

وفي 1956، تم التوقيع على إعلان منصة لاتفاقية السلام. وحدث توافق على نقل جزيرتي هابوماي وشيكوتان فقط، لكن - بعد توقيع اتفاق السلام.

لكن ذلك التطور تسبب في حالة ذعر للأمريكيين. وبفضل ضغوط واشنطن، تم تغيير الحكومة اليابانية، وبدأ المسؤولون الجدد في إعداد اتفاقية عسكرية بين أمريكا واليابان، في 1960. وتتضمن الاتفاقية نشر قوات أمريكية على الأراضي اليابانية، ما يعني الاقتراب من الأراضي الروسية. انطلاقاً من كل هذا، أعلن الدبلوماسيون الروس أنه حتى انسحاب جميع القوات الأجنبية من اليابان، من المستحيل الحديث عن اتفاقية سلام.

في حقبة الحرب الباردة، دعمت واشنطن طوكيو، وضغطت عليها للمطالبة بجميع الأراضي التي «خسرتها» خلال الحرب العالمية الثانية،

وفقاً لـ «جيوستراتيجيك ميديا» الذي قال، في تقرير، إن التحالف الأمني الياباني الأمريكي، يعني أن طوكيو ليست مستقلة- من وجهة النظر الروسية، وهو ما يفُسر المخاوف الروسية من أن أمريكا يمكن أن تضع قوات في جزر الكوريل إذا أعيدت لليابان، وقد يزداد الأمر سوءاً إذا قرر الناتو إرسال قوات إلى الجزر، وهو ما ينعكس سلباً على الأزمات السياسية الأخرى، التي تحدث مع روسيا في أوروبا الشرقية.

بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، اتفق الجانبان عام 1993 على الالتزام بالاتفاقية الموقعة عام 1956، لكن اليابان أصرت على تملك الجزر الأربع، ولم يطرأ أي جديدٍ منذ ذلك العام، رغم أن تحسّناً طرأ على العلاقات بعد وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الكرملين.

مجيء بوتين

بعض المراقبين رأى أن بوتين حاول أن يدخل التاريخ من خلال مبادرات دراماتيكية تدفّئ العلاقات مع اليابانيين وتستفيد من استثماراتهم، لكن الموقف ليس بهذه السهولة، ويكفي للتدليل على ذلك استطلاعات الرأي التي أظهرت أن نحو 78% من الروس يعارضون التخلي عن كوريل الجنوبية لليابان.

في سبتمبر 2018، وعد بوتين بتوقيع معاهدة سلام نهائية مع اليابان قبل نهاية السنة. وفي نوفمبر قابل رئيس الحكومة اليابانية شينزو آبي في قمة آسيان بسنغافورة، حيث اتفقا على تسريع المفاوضات حول معاهدة سلام بين بلديهما.

العلاقات الروسية ــ اليابانية شهدت في السنوات الأخيرة تحولات مهمة على الصعد التجارية والاقتصادية والاستثمارية والسياحية، فيما ظلت على الصعيد السياسي تشكو من تبعات الحروب التاريخية، التي تعرقل مُضيها قُدماً نحو مرحلة بعيدة عن الهواجس.

يمكن، بحسب الكثير من المراقبين، القول إنه حتى بعد انتهاء الأزمة الأوكرانية وتداعياتها، وعودة الدفء للعلاقات بين موسكو وطوكيو، فإن قضية التخلي عن الجزر وتسليمها أمر مشكوك فيها إلى حد كبير، في حين أنه من الصعب أن تتخلى اليابان عن مطالبها، لكن من غير المتوقع حدوث نزاع بين البلدين على الجزر، وكل ما يمكن أن يحدث هو أن تبقى الجزر منطقة استثمارات مشتركة، مع التوسع في التسهيلات للمواطنين اليابانيين الراغبين في زيارتها.

طباعة Email