الروبل بدل الدولار.. هل انتقلت موسكو من الدفاع إلى الهجوم؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلزام من وصفها بـ«الدول غير الصديقة» بتحويل مدفوعات إمدادات الغاز الروسي إلى العملة المحلية (الروبل)، لا يمثل المرة الأولى التي تلجأ فيها روسيا إلى الهجوم المضاد في النزاعات الاقتصادية مع الغرب. حدث ذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ حين طلب ممثلو الدول الأوروبية تعويضات من روسيا السوفييتية، بقيمة 18.5 مليار روبل، وردت موسكو بمطلب مضاد بقيمة 39 مليار روبل مقابل الأضرار الناجمة عن تدخل هذه البلدان ضدها.

في محاولة منها لتخفيف وطأة العقوبات الغربية على اقتصادها، وفي سياق الرد على الإجراءات القاسية ضدها بسبب العملية العسكرية في أوكرانيا، قررت موسكو إلزام من وصفتها بـ «الدول غير الصديقة» بتحويل مدفوعات إمدادات الغاز الروسي إلى العملية المحلية الروبل.

جاء القرار على لسان الرئيس فلاديمير بوتين، الذي أعطى مهلة «الدفع بالروبل» نهاية مارس المنقضي، وقد قوبل هذا القرار بالرفض من جانب بلدان الاتحاد الأوروبي.

بوتين أوعز للبنك المركزي والحكومة بتحديد ترتيب عمليات شراء الروبل في السوق المحلية من قبل مشتري الغاز الروسي في غضون أسبوع، مشدداً في الوقت نفسه على أن روسيا ستستمر في إمداد الغاز الطبيعي وفق الكميات المحدّدة في العقود التي أبرمتها في وقت سابق البلدان المعنية بالقرار.

ويقتصر القرار الروسي فقط على الدول التي اعتبرها المرسوم الرئاسي «غير صديقة»، وأهمّها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي واليابان.

ويرى مراقبون أن قرار بوتين إجراء قسري ودفاعي، لا سيما بعد تجميد أصول روسية خارجية مقوّمة بالدولار واليورو بقيمة 300 مليار دولار. وبرأيهم، فإن من شأن ذلك أن يؤثر بشكل ملموس على العديد من الأطراف التي تشترك مع روسيا بصفقات وعقود للنفط والغاز.

ويأتي قرار موسكو وسط تواصل الارتفاع في أسعار الغاز إلى أوروبا بموازاة المخاوف حيال مستقبل الإمدادات من روسيا. فقد قفزت العقود الآجلة للغاز للتسليم حسب مؤشر TTF بنسبة 66٪ مقارنة بيوم الجمعة. ولأول مرة في التاريخ، تجاوزت 3800 دولار لكل ألف متر مكعب. ومن المرجح على هذا الأساس أن يواجه المستهلكون الأوروبيون مشكلة حقيقية في القدرة على تحمل تكلفة الغاز، إذ إن الأسعار الحالية أصبحت أعلى 19 مرة من متوسط مستويات الأسعار المعتادة في هذا الوقت من العام.

عودة إلى التاريخ

وهذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها روسيا إلى تكتيك الهجوم المضاد في النزاعات الاقتصادية مع المنظومة الغربية. فبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وخلال المؤتمر الاقتصادي الدولي الذي عقد في في جنوة عام 1922، قام ممثلو الدول الأوروبية بطلب تعويضات من روسيا السوفييتية آنذاك، بقيمة 18.5 مليار روبل، في محاولة لتطويعها ووضعها في خانة البلدان التابعة للاستعمار، فما كان من الوفد السوفييتي إلا أن قدم مطالبات مضادة بقيمة 39 مليار روبل مقابل الأضرار الناجمة عن تدخل هذه البلدان ضدها خلال الحرب ووضعها تحت الحصار، وأجبرت لهذا الشكل القادة الغربيين في النهاية على التخلي عن مطالباتهم المالية.

يقول الخبير ستانيسلاف ميتراغوفيتش، إن خطوة بوتين تهدف لرفع سقف الرد على تهديد بلدان الاتحاد الأوروبي بإنهاء تجارة الطاقة مع روسيا، مفادها أن موسكو كذلك مستعدة لتصعيد الصراع مع أوروبا، وإذا لزم الأمر، يمكنها إيقاف إمدادات الغاز إليها.

ولفت إلى أن أوروبا انتهكت هذا العام حجم شراء الغاز الروسي، وقامت فقط بشراء 40 % من حجم الغاز المنصوص عليه في العقود، وأن موسكو تعتبر أن من حقها كذلك تعديل العقود طالما تقوم أوروبا بانتهاكها.

وتابع: التحوّل إلى الروبل في مدفوعات الغاز سيساعد على تعزيز العملة الوطنية، التي كانت تراجعت إلى مستوى عير مسبوق من حيث الانخفاض بسبب العقوبات، وانعكس، بالدرجة الأولى، في الارتفاع الحاد كذلك في الأسعار.

في المقابل، اعتبر أن قوة الموقف الروسي تنطلق من وجود أسواق بديلة عن الأسواق الأوروبية، لا سيما في جنوب شرقي آسيا. وفي نفس الوقت، وبسبب نظام الطاقة الحالي، فإن أوروبا ليست مستعدة لرفض إمدادات الغاز الروسي في المستقبل القريب، لأنه من المستحيل استبدال الغاز الرئيسي من روسيا بسرعة بالغاز الطبيعي المسال.

مشكلة العقود

ويعتبر محلل الشؤون الاقتصادية يفغيني نادورشين، أن القرار الروسي هو في نفس الوقت غامض للغاية، لا سيما إذا كان الانتقال إلى الروبل ينطوي على انتهاك العقود طويلة الأجل مع المستهلكين الأوروبيين، وهو ما قد يسبب مشكلة كبيرة، لأنه لن يكون من الممكن النظر في قضايا بشأنها في المحاكم الروسية، بل قد يتعين على روسيا الدفاع عن نفسها في المحاكم الأوروبية.

لكنه يشير، إلى أنه على المدى البعيد، قد يؤدي التحول للدفع بالروبل إلى الوقف التدريجي لربط الاقتصاد الروسي بالدولار، وزيادة الطلب على الروبل في الأسواق المالية، وبالتالي تعزيز سعره.

وعلى هذا الأساس، سيترتب على المشترين الأجانب للغاز الروسي (من البلدان غير الصديقة)، بيع عملتهم (الدولار واليورو) لشراء الروبل في السوق المحلية الروسية لدفع ثمن الغاز.

لكن هذا يشترط – برأيه - أن تتراجع البلدان الغربية عن جملة كبيرة من العقوبات ذات البعد المصرفي، وعلى رأسها البنك المركزي الروسي، الذي لن يكون ممكناً بدونه شراء العملة الروسية من قبل العملاء الأجانب، ما يعني أنها ستكون مجبرة على رفع العقوبات التي وضعتها بنفسها.

تقوية الروبل

ويؤكد الخبير في الاقتصاد الدولي الكسندر كوزنيتسوف، أنه سيكون من المناسب دفع ثمن الغاز بالروبل بسعر السوق الحالي، مع مراعاة ارتباط أسعار الغاز الروسي بالسوق الفوري. ويتابع أن من شأن ذلك أن يؤدي إلى تعزيز سعر صرف الروبل، وهو مؤشر مهم للانتعاش الاقتصادي للبلاد.

ويعيد كوزنيتسوف إلى الأذهان، أنه على مدى السنوات القليلة الماضية، احتل الروبل المركز الأول بين العملات الأقل من حيث القيمة في العالم.

فمنذ عام 2014، كان للعوامل غير المتعلقة بالسوق، مثل العقوبات المناهضة لروسيا، تأثير سلبي على سعر صرف الروبل. بالإضافة إلى ذلك أدى انخفاض قيمة الروبل إلى ضعف الطلب على الأدوات المالية المقوّمة بالعملة الوطنية الروسية.

أما الآن، فقد يؤثر تحويل مدفوعات إمدادات الطاقة (وبالتالي السلع الأخرى إلى الروبل) على سلسلة تسعير العملات بأكملها في السوق العالمية، ما سيزيد من الطلب على تمويل الروبل والأدوات المالية.

ويختم بالتأكيد على أن العملة الوطنية هي أهم سمة لسيادة الدولة، وعليه، يجب أن يُنظر إلى قرار القيادة الروسية بالتحول إلى التسويات بالروبل على أنه خطوة مهمة نحو استعادة السيادة المالية للبلاد، مضيفاً أنه في كل الأحوال، من حق أية دولة مستقلة أن تطلب من نظرائها في التجارة الخارجية دفع ثمن سلعهم بعملتها الخاصة، وهو بالضبط المطلب الذي تفرضه الولايات المتحدة فيما يتعلق بشركائها التجاريين – حسب قوله.

طباعة Email