يطرح ملف «المرتزقة» نفسه ضمن تعقيدات المشهد في أوكرانيا، وسط تسابق طرفي الصراع على تجنيد عناصر أجنبية للمشاركة في القتال، بما يخالف قرارات سابقة للأمم المتحدة، فيما يفاقم هذا الصراع التهديدات الأمنية التي تلف أوروبا، حال تحوّل كييف إلى بؤرة مشتعلة جاذبة للجماعات المتطرفة والإرهابية، ونواة لتهديد أمن أوروبا، لا سيما مع انتقال هؤلاء المقاتلين أثناء أو بعد المعارك إلى دول الجوار.
يُسجل التاريخ عديداً من المحطّات البارزة، التي لعب فيها المرتزقة دوراً بارزاً في مناطق مختلفة ولأسباب متباينة حول العالم، وعلى اختلاف المُحرك والمُمول الرئيسي، وذلك منذ بداية ظهور هذه المهنة في العام 2047 قبل الميلاد (وفق بيتر سينغر في كتابه «محاربو الشركات»)، وحتى المرتزقة الجدد أو المفهوم الجديد للمرتزقة العاملين في إطار منظم وليس عشوائياً، وذلك عبر شركات أمنية خاصة أو ما يعرفون بـ«المتعاقدين الأمنيين».
وقدرت إحدى المنظمات البريطانية حجم الإنفاق العالمي على تلك الشركات بحوالي 400 مليار دولار سنوياً. وتبرز دول كبرى ضمن العملاء الأسخياء لدى تلك الشركات، وثمة حروب ومواجهات مختلفة تم الاعتماد فيها عليهم من أجل حسمها.
ومع هذا التطور الذي طرأ على شكل وتنظيم المرتزقة، فقد أصبحوا اليوم ضمن أدوات حروب الجيل الرابع في كثير المناطق الملتهبة، حيث يبيع المرتزق ولاءه لمن يدفع أكثر، وينفذ ما يُملى عليه من أجندات وأهداف.
وتقدر إحصاءات غير رسمية الزيادة على عدد المرتزقة من العام 2008 وحتى العام 2010 بنسبة 41% (طبقاً لمؤلف كتاب المرتزقة الجدد، شون مكفيت).
ومن هذا المنطلق، يشكل المرتزقة خطراً داهماً على منظومة الأمن الإقليمي والدولي، ويُنظر إلى هؤلاء باعتبارهم شوكة في خاصرة الأمن والاستقرار الدوليين لجهة سهولة توظيفهم واستقطابهم، والزج بهم في ساحات مختلفة كوقود للصراعات، وهو ما شهدته عديد من البلدان حول العالم، وفي فترات زمنية مختلفة.
فيما يدق مراقبون ناقوس الخطر بشأن «الخطر الداهم، الذي يواجه أوروبا والقادم من ناحية الشرق، حيث المرتزقة في حرب أوكرانيا، والذين يحملون جنسيات مختلفة من المملكة المتحدة إلى أستراليا وبولندا وإيطاليا واليابان وحتى الحديث عن مشاركة عرب، والذين قد يتسببون جميعهم في تحديات أمنية واسعة مستقبلاً»، ذلك بالقياس على تجارب سابقة تم الدفع خلالها بالمرتزقة (في أفغانستان والعراق وسوريا على سبيل المثال) تحولت لحاضنة للتنظيمات الإرهابية، وهو ما يستدعي الحديث عن تهديد يلف أوروبا.
اللعب بالمصطلحات
وعلى رغم التعريفات الواضحة لمفهوم «المرتزقة» في القانون الدولي، إلا أنه عادة ما تتحايل عديد من الأطراف المستفيدة منهم أو المُسَيّرة والموظفة لهم، بإطلاق توصيفات أخرى عليهم؛ على خلاف الحقيقة، وأحياناً ما يتم الخلط بين مفهوم «المرتزق» و«المتطوع»؛ للهروب من التبعات القانونية والسياسية الدولية لمصطلح «المرتزقة» سيئ السمعة.
ظهر هذا الخلط «المتعمد» في حرب أوكرانيا الحالية؛ فبينما فتحت أوكرانيا الباب أمام من وصفتهم بـ «المتطوعين» من غير الأوكرانيين، ضمن ما أطلق عليه مسمى «الفيلق الدولي»، للدفاع عنها (مع إغرائهم بالجنسية)، وتصفهم الدفاع الروسية بـ«المرتزقة الأجانب»، تتحدث كييف وأصدقاؤها عن استعانة موسكو بـ«مرتزقة» سوريين، للمساعدة في الحرب الدائرة بالبلاد، حيث أشارت روسيا إلى استعداد أكثر من 16 ألف «متطوع» من الشرق الأوسط للقتال معها ضد القوات الأوكرانية (طبقاً لتصرحات وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو)، فيما أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في الاجتماع الذي حضره شويغو، ترحيبه بهؤلاء الذين لا يطلبون مالاً.
القانون الدولي
يقول أستاذ القانون الدولي، الدكتور صلاح الدين الطحاوي لـ«البيان» من القاهرة، إن «القانون الدولي يُصنف الارتزاق كجريمة»، مشدداً على أن المرتزق عندما يتم القبض عليه لا تنطبق عليه حقوق أسرى الحرب والمقاتلين، وتتم محاكمته بناء على جرائم القتل التي ارتكبها. ويشكل «الارتزاق» انتهاكاً لاتفاقات وبروتوكولات جنيف، في منظور القانون الدولي الإنساني.
ويشير إلى أن ثمة اختلافاً بين «المرتزقة» و«المتطوعين»، فالمرتزقة أشخاص يهدفون لتحقيق مصالح مادية (ولاؤهم لمن يدفع أكثر) وهم ليسوا من رعايا الدول، التي يذهبون إليها للقتال ضمن صفوف أي من الأطراف، ويذهبون طواعية للحرب ودون إذن مسبق من الدول، التي يحملون جنسياتها، وهؤلاء لا حقوق لهم ولا تغطيهم نصوص القانون والأعراف الدولية.
أما المتطوعون فهم من رعايا دولة بخلاف الدول المتنازعة، يشاركون في القتال دعماً لطرف على حساب الآخر بموجب اتفاق بين دولتهم وإحدى الدول المتنازعة، أو أنهم يكونون مؤمنين بحق إحدى الدولتين المتنازعتين، ويذهبون تلقائياً للدفاع عنها دون مقابل، وهو فعل غير مجرم، ويتم بالتنسيق مع الدولة التي يحمل هؤلاء جنسيتها.
ويشدد أستاذ القانون الدولي على أن تدريب والدفع بالمرتزقة من قبل أي من الأطراف أو الدول المختلفة يعتبر مخالفة للأعراف الدولية وميثاق الأمم المتحدة، وقد يتم اتخاذ قرار بموجب اتفاق داخل مجلس الأمن بفرض عقوبات على الدولة، التي تدفع بالمرتزقة وتجهزهم (حال توافرت الإرادة السياسية الدولية لذلك بموافقة أعضاء المجلس).
ورد تعريف وتنظيم «الارتزاق» في الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم (التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر من العام 1989 ودخلت حيز النفاذ في شهر أكتوبر من العام 2001)، كما أن هناك الاتفاقية الإقليمية المرتبطة بمناهضة الارتزاق، الخاصة بالاتحاد الأفريقي، والتي تم تبنيها في العام 1977 ودخلت حيز النفاذ في العام 1985 وهي الاتفاقية المعنية بالقضاء على الارتزاق.
كما يبرز هنا القرار الدولي رقم 2178 للعام 2014، والذي يتعلق بالمقاتلين الأجانب وينص على أنه «على الدول الأعضاء منع وقمع تجنيد أو تنظيم أو نقل أو تجهيزهم (المقاتلين الأجانب)، وكذلك منع وقمع تمويل أو سفر هؤلاء الأفراد».
خطر داهم
وبدوره، يقول المدير السابق لكلية الدفاع الوطني بأكاديمية ناصر العسكرية بالقاهرة، الخبير الاستراتيجي اللواء محمد الغباري، إن «مفهوم المرتزقة في عالم اليوم يشير إلى محاولة لتجميل مصطلح الإرهاب الدولي»، على حد قوله، مشدداً على أن المرتزقة جزء من الإرهاب الدولي، وأداة من أدوات حروب الجيل الرابع، وبالتالي يشكلون خطراً أمنياً واسعاً على المنطقة والعالم.
ويلفت الخبير العسكري في تصريحات لـ«البيان» من القاهرة، إلى أن دولاً عديدة اكتوت بنيران «المرتزقة» من بينهم دول في الشرق الأوسط (ليبيا كنموذج)، عندما زُج بمجموعات مرتزقة من السوريين والأفارقة إلى ساحات الحرب بالبلاد، ضمن أدوات الحرب بالوكالة.
وفي هذا السياق، يتحدث الاستراتيجي المصري في معرض تصريحاته عن الحرب في أوكرانيا، والتي يتم فيها توظيف «المرتزقة» من الجانبين، موضحاً أن «أوروبا سوف تكتوي بنيران تلك العناصر لاحقاً، وسوف تواجه مشكلات أمنية كبيرة بسببهم».
ويردف: «لم ترسل كثير من الدول الأوروبية مقاتلين من بلدانها لدعم أوكرانيا، فيما يتم الزج بمرتزقة آخرين، من بينهم عناصر من الشرق الأوسط، وبعضهم عناصر أوروبية رفضت دولهم عودتهم بعد تورطهم في سوريا ضمن الجماعات الإرهابية هناك، فيما يشكل ذهابهم إلى أوكرانيا وسيلة لهم للعودة إلى شرق أوروبا، ومن ثم تشكيل تهديد كبير للقارة التي تواجه خطر الإرهاب الدولي».
فيما لا يستبعد مراقبون محاولات استغلال التنظيمات الإرهابية لفتح الباب أمام المرتزقة في أوكرانيا، من أجل الدفع بأنفسهم في تلك الساحة والدخول على الخط، أملاً في إعادة إحياء حاضنتهم من جديد، بعد الضربات القاصمة في سوريا والعراق.
وبينما تُطرح جملة من علامات الاستفهام بخصوص المرتزقة، الذين يتم الدفع بهم في أوكرانيا، لجهة مصيرهم بعد انتهاء الحرب، فإن التداعيات الخطيرة لتدفق المرتزقة -أو تحت أي مسمى- تنعكس بشكل مفزع على الجوانب الإنسانية والثقافية وحتى الاجتماعية، وبما يشكل مخاطر حالية مرتبطة بتطورات الصراع إضافة إلى المخاطر المستقبلية، سواء لجهة استخدامهم كأداة لارتكاب مجازر ضد المدنيين، أو لجهة ما يتسببون فيه من إشكاليات تعزز النزعات العرقية والقومية والمذهبية.
