عدم اليقين سيد الموقف.. اقتصاد العالم من «جائحة» لأخرى

ت + ت - الحجم الطبيعي

تفرض حالة من عدم اليقين نفسها على الاقتصاد العالمي، في ضوء الصدمات المتتالية التي تعرض لها، بدءاً من جائحة كورونا، وتداعياتها التي أربكت حسابات الحكومات والمستثمرين. وما إن بدأ الاقتصاد العالمي اختبار الاستفاقة من صدمة كورونا التي أدت لتآكل تريليونات الدولارات من الناتج العالمي خلال عامين، حتى جاءت جائحة جديدة بشكل مختلف لتهدد محاولات التصحيح، وهي جائحة الأزمة الروسية الأوكرانية التي تضرب الاقتصاد العالمي حالياً.

يقول الخبير الاقتصادي سليمان العساف، إن تداعيات «جائحة الصراع» ظهرت بشكل واضح من خلال أسعار النفط التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات، وسط توقعات «كنا نراها في وقت سابق ضرباً من الجنون» بأن يلامس البرميل مستويات أعلى تصل إلى 180 دولاراً حال تفاقم الأزمة ولو استمر الوضع على ما هو عليه.

«يؤثر ذلك بالتبعية وبصورة مباشرة على أمور عدة، بدءاً من النقل وأسعار المواد الغذائية، والتي سوف تواصل الارتفاع، وهو ما نراه من خلال القفزة التي تشهدها أسعار القمح (في سبيلها لارتفاع قياسي بنسبة 40 بالمئة طبقاً لوكالة بلومبيرغ للأنباء)، وكذا الارتفاع القياسي بأسعار الألمنيوم، وزيادة الحديد والصلب.. كما تتأثر عمليات النقل والشحن، علاوة على تداعيات أي حظر طيران محتمل».

عدم يقين

وفي ضوء ذلك، يشير الخبير الاقتصادي إلى «حالة عدم اليقين» التي تفرض نفسها على الاقتصاد العالمي، والمستمرة منذ بدء جائحة كورونا وحتى تداعيات الصراع الروسي الأوكراني، مشدداً على أن «الاقتصاد العالمي لا يتحمل أية تراجعات أخرى (..) لو استمرت الحرب نتوقع آثاراً مدمرة على كثير من الاقتصادات حول العالم، لا سيما الدول غير النفطية».

وفيما حذر صندوق النقد الدولي من تداعيات وصفها بـ «الخطيرة»، فمن المتوقع أن تصل خسائر الاقتصاد العالمي هذا العام نتيجة تداعيات الصراع الروسي الأوكراني إلى 400 مليار دولار، طبقاً لتحليل صادر عن وحدة المعلومات الاقتصادية في المملكة المتحدة. وهو التحليل الذي توقع تعرض نسب النمو إلى «ضربة كبيرة»، لتتراجع من 3.9 بالمئة إلى 3.4 بالمئة (عالمياً)، ومن 3.9 بالمئة إلى 2 بالمئة (على الصعيد الأوروبي).

وتحدث التقرير بشكل خاص عن أسعار السلع، والتي من المرجح أن تشهد زيادات واسعة مدفوعة بالمخاوف المرتبطة بالإمدادات، وتأثر البنى التحتية المادية، وكذلك آثار العقوبات الغربية على روسيا. وبما يسهم في رفع معدلات التضخم بما يفوق التوقعات السابقة.

إرباك الأسواق

تسفر الحرب عن انتقال تداعيات ملموسة إلى البلدان الأخرى، فأسعار السلع الأولية آخذة في الارتفاع وتهدّد بمزيد من التضخم، ما يلحق أشد الضرر بالفقراء. وسوف تظل الاضطرابات في الأسواق المالية تتفاقم ما دام الصراع مستمراً. وسيكون للعقوبات التي أُعلِنَت على مدار الأيام الماضية كذلك تأثير اقتصادي ملموس، طبقاً لبيان مشترك صادر عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وبدوره، يلفت المحلل الاقتصادي سالم باعجاجة، إلى حالة عدم اليقين التي يفاقمها الصراع القائم بين روسيا وأوكرانيا. ويشدد على أن ذلك الصراع يسهم في زيادة إرباك الأسواق العالمية، لجهة ما يسببه من ارتفاع مباشر في أسعار السلع الأساسية، وكذلك البضائع الصناعية، موضحاً أن الدول النامية هي من تدفع فاتورة ذلك بشكل كبير أيضاً جنباً إلى جنب وتأثر أطراف الصراع بشكل مباشر.

ويشير إلى أن «أغلب الدول النامية مستوردة للبضائع الصناعية من الدول المتصارعة، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار هذه السلع والبضائع والخدمات في أوروبا ستتحمل آثاره أيضاً الدول النامية، ومنها بعض الدول العربية بالتأكيد».

وعلى اعتبار أن روسيا من الدول الكبرى في قطاع النفط والغاز، فإن «الحرب ستصيب الصناعات النفطية بشكل كبير، لا سيما مع تطبيق العقوبات على النظام المالي والصادرات البترولية الروسية». ويلفت المحلل الاقتصادي إلى ارتفاع أسعار النفط وتداعيات ذلك على مختلف القطاعات.

ويُبرز تأثر الأسواق الأوروبية بشكل خاص بالتداعيات الاقتصادية للصراع الراهن، لا سيما في ظل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. كما يشدد على أن الحرب ستؤثر في شركات النفط الغربية من حيث استمرارية العمل في الحقول الروسية، إضافة إلى الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تتكبدها موسكو نتيجة العقوبات.

مدافع اقتصادية

ولقد تحول الصراع بين روسيا وأوكرانيا إلى صراع من نوع آخر بين روسيا والغرب، تُستخدم فيه بجانب آلة الحرب العسكرية «المدافع الاقتصادية»، وأبرزها العقوبات الاقتصادية التي هي ذات خصوصية في هذا الصراع. ولا تضر تلك العقوبات المُعاقَب فقط، لكنها أيضاً تضر المُعاقِب نفسه، لجهة المصالح الأوروبية مع روسيا والعلاقات التجارية والاقتصادية.

تمتد تداعيات «المدافع الاقتصادية» والصراع القائم، إلى ما هو أبعد من ذلك، لتشكل تهديداً لاقتصادات دول العالم بشكل متباين، من بينها الدول العربية التي تتباين طبيعة تأثرها بالصراع ما بين دول يُمكن أن تحقق «استفادة نسبية» وأخرى تدفع «فاتورة باهظة» وتواجه اختباراً حقيقياً لخطط التنمية الاقتصادية التي اتبعتها.

الدول العربية

هذا ما يؤكده المستشار والخبير الاقتصادي، كمال أمين الوصال، والذي يشير إلى أنه يمكن التمييز بين مجموعتين من الدول العربية، تختلفان من حيث تأثرهما بتداعيات الصراع بين روسيا وأوكرانيا، الأولى -بحسب الوصال- مؤهلة للاستفادة ارتفاع أسعار النفط والغاز، الأمر الذي يمكنها من تحقيق فوائض في موازناتها بعد سنين عجاف (في إشارة لتبعات جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي).

ويشير إلى أنه في ظل الأزمة الراهنة، فإن «بعض المحللين يستدعي آثار ارتفاع أسعار النفط في بدايات سبعينيات القرن الماضي وما خلفته من أزمات اقتصادية والوقوع في براثن الركود التضخمي ربما لأول مرة في التاريخ الحديث، فقد ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بأكثر من 70 بالمئة منذ بداية الأزمة، وتماست أسعار البترول بمستوى 140 دولاراً للبرميل، وهو رقم لم يشهده العالم منذ عقد تقريباً».

أما المجموعة الثانية، فهي الدول التي يصفها الخبير الاقتصادي بأنها «خاسر صافٍ» في هذه الأزمة، على أساس أن ارتفاع أسعار القمح عالمياً سوف يزيد من صعوبة الحياة لشعوبها، وتعاني صعوبات جمّة بالفعل، منها ارتفاع العجز في الموازنات العامة، وارتفاع مستويات الدين.

استيعاب الأزمة

ويعتقد بأن ذلك سوف يمثل اختباراً لتلك الدول ومدى قدرتها على استيعاب الأزمة، قائلاً: «وكأن يوم الحساب أتى لهذه الدول التي فشل معظمها في تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية ولم تعمل ما يمكنها من مواجهة واستيعاب هذه الأزمة وغيرها من الأزمات والتقلبات الاقتصادية التي باتت سمة للاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة».

وفي السياق، يتحدث الوصال عن تأثر الدول الأوروبية -التي تعتمد عليها دول عربية في استيراد كثير من احتياجاتها بقطاعات مختلفة- موضحاً أن «الدول الأوروبية تعاني من تضخم هو الأعلى منذ عقود، وتوقف إمدادات الغاز الروسية، وارتفاع كبير في نفقات المعيشة»، مشدداً على أن «إمدادات الغاز والنفط الروسي تمثل ما يزيد على 40 بالمئة من احتياجات أوروبا، فروسيا هي أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم وثاني أكبر مصدّر للنفط».

ليس هذا فحسب، بل إن روسيا وأوكرانيا تمدان العالم بما يقرب من ربع احتياجاته من القمح. وقد ارتفعت أسعار القمح لمستويات العام 2008.

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن «التضخم أصبح حقيقة راسخة في اقتصاد اليوم ينبغي على الدول التعامل معها، وللأسف فهو تضخم يحمل في طياته الركود، لأنه تضخم مدفوع بارتفاع تكاليف الإنتاج»، موضحاً «أن أثر هذا الصراع لا يقتصر على النفط والغاز والقمح فقط، لكن قطاع الشحن يشهد اختناقات لن تزيد التضخم اشتعالاً فقط، بل ستؤدي إلى نقص بعض السلع في الكثير من دول العالم.. وعلى العالم أيضاً أن يتعامل مع ارتباك قد يستمر لفترة ليست قصيرة في الأسواق المالية».

طباعة Email