سلاح العقوبات يفرض على روسيا والغرب خوض صراع على جبهة «البدائل»

مخاض لولادة نظام دولي جديد

ت + ت - الحجم الطبيعي

ثمّة مخاض لولادة نظام دولي جديد من رحم الأزمة الأوكرانية. المشهد الملتهب يشهد اصطفافات دولية أكثر وضوحاً في سياق معسكرات متضادة، تقود إلى تغيرات ديناميكية، وسيناريوهات لمستقبل مختلف لم تتضح معالمه بعد، إذ إن الصراع يحتدم بين روسيا والصين من جهة، والدول الغربية من جهة أخرى، وربما قد تنضم إليهما دول متضررة من العقوبات الأمريكية.

مع تسارع وتيرة الصراع الروسي- الأوكراني أخيراً، انتبهت الأطراف المنضوية في هذا الصراع إلى أهمية «الاعتماد على بدائل مقبولة» تُحقّق لها نوعاً من الاستقلالية- في سياقات ومجالات مختلفة- وتحفظ مصالحها في ضوء التهديدات غير المسبوقة، التي تفرض نفسها على أطراف ذلك الصراع بشكل مباشر، وبالتبعية على العالم ككل.

ويمكن النظر إلى الرابع والعشرين من فبراير 2022، وهو تاريخ بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، باعتباره «لحظة فاصلة» بالنسبة لتركيبة التفاعلات الدولية على مستويات مختلفة، ربما يتحدّد بناء عليها مستقبل العالم على الصُعد كافة، ليس فقط على مستوى التفاعلات السياسية والاقتصادية، إنما على مستويات أشمل تفرض واقعاً جديداً، تصاحبه تداعيات «غير مسبوقة» على المستوى العالمي وحتى على مستوى الدول.

حالة «البحث عن البدائل المناسبة» تفرض نفسها على ثلاثة مستويات، سواء بالنسبة لأطراف الصراع وكذلك الأطراف المتأثرة بتداعيات ذلك الصراع بشكل مباشر وغير مباشر، وهي: (البدائل المالية والتجارية، والبدائل السياسية، إضافة إلى البدائل الوطنية)، والتي تفضي جميعها إلى متغيرات كبيرة منتظرة على عدة مستويات.

مالياً وتجارياً

أولاً، على الصعيد الاقتصادي تشمل رحلة البحث عن «البدائل» أطرافاً مختلفة، بدءاً من أوروبا «المرعوبة» من ملف الغاز والساعية لتأمين «بدائل»، تحقق لها الحد المقبول من الأمان، لتدفق الإمدادات بتكلفة مناسبة، وكذا روسيا التي تصبو إلى مواجهة العقوبات المفروضة عليها من الولايات المتحدة والغرب بالنظر في الاعتماد على «البدائل المتاحة»، للتخفيف من وطأة تلك العقوبات.

الرئيس التنفيذي لمركز كوروم للدراسات الاستراتيجية في لندن، طارق الرفاعي، يقول لـ «البيان»: إن الصراع بين روسيا وأوكرانيا سرّع من وتيرة المتغيرات والبدائل الجديدة، التي بدأ العالم يتجه إليها منذ بداية 2021، على الصعيد الاقتصادي، مستدلاً على ذلك بتصدير الولايات المتحدة الغاز المسال لأوروبا، فضلاً عن اتجاه عديد من الدول الأوروبية إلى إعادة هيكلة البنية التحتية لنظام الطاقة، والعمل على الاستقلال عن الطاقة الروسية، مع السعي إلى محاولة تلبية الاحتياجات من الطاقة محلياً، سواء بالطاقة البديلة أو مصادر الطاقة المحلية (مثل الفحم والطاقة النووية)، وهذا بديل مكلف وتواجهه عدة تحديات.

ويتابع: «جميع هذه السياسات، التي نراها الآن، هي دليل على التغيير الكبير الحادث على صعيد قطاع الطاقة، من خلال البحث عن بدائل الغاز الروسي». ويتزامن مع ذلك جملة من البدائل الأخرى التي يلجأ إليها طرفا الصراع على مستويات أخرى.

وفي ما يخص روسيا، فإنها تسعى لمجابهة آثار العقوبات المفروضة عليها، مستندة إلى بدائل عدة، من بينها خيار التخلي عن التعامل بالدولار، واعتماد العملات المحلية في التبادل التجاري (وهو ما يتم الاتجاه إليه في التبادل التجاري مع الهند على سبيل المثال)، فضلاً عن إعلان موسكو عن سداد ديونها السيادية بالروبل، رداً على العقوبات، وما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية واسعة.

حصار اقتصادي

وفي هذا السياق، يشير الرفاعي إلى أن «الحصار الاقتصادي الذي تتعرض له روسيا هو أشد حصار اقتصادي من قبل الولايات المتحدة وأوروبا على دولة أخرى. هذا الحصار سيؤدي إلى تغيرات في السياسات الاقتصادية لكثير من الدول، مثل إيران والصين ودول أخرى متضررة من قيود العقوبات الاقتصادية، وتسعى لتحاشي آثارها»، وذلك باستخدام بدائل تتفادى من خلالها تلك الآثار.

كما يلفت في الوقت نفسه في خضم الحديث عن جملة التغيرات الاقتصادية، التي حفزها الصراع الراهن، مسألة طرح عملات رقمية رسمية، مشدداً على أن «الحرب سرّعت من اتجاه عديد من الدول لطرح عملات رقمية محلية»، وذلك في وقت ينظر فيه إلى أن «عالم المال الرقمي يعد أحد الطرق التي يمكن أن تستخدمها روسيا لمواجهة العقوبات، خاصة أن هناك دولاً أخرى جربتها من قبل من بينها كوريا الشمالية وإيران»، طبقاً لتقرير سابق نشرته صحيفة نيويورك تايمز.

ويمكن الحديث هنا عن جملة من البدائل الاقتصادية الأخرى، التي تعيد رسم المشهد المالي والتجاري، من بينها على سبيل لا الحصر، مسألة البديل الروسي لنظام سويفت، والذي قد ينضم إليه مستخدمون جدد في المستقبل، لتبادل المدفوعات حال تم فرض قيود أوسع، وغيرها من البدائل التي حفزتها الأزمة.

والخلاصة أن الحرب تقود إلى متغيرات مفصلية في الاقتصاد، ليس فقط لجهة اتجاه المؤشرات الكلية-المرجح أن تشهد ركوداً واسعاً- ولكن أيضاً في بنية وتركيبة التفاعلات الاقتصادية نفسها بين الدول وبعضها البعض.

البدائل السياسية

وثانياً، على الصعيد السياسي، لا تتوقف رحلة البحث عن «البدائل المناسبة» عند حد التفاعلات المالية والتجارية، إذ تتسع الدائرة لتشكل عملية إعادة نظر حقيقية في بنية التوازنات القديمة القائمة قبل بدء الصراع، وفي التوازنات الدولية ككل التي تشهد نُذر متغيرات فاصلة، تنعكس على مسار قضايا وملفات إقليمية ودولية مختلفة.

ويتحدث مراقبون في هذا السياق عن إرهاصات ميلاد نظام دولي جديد، واصطفافات دولية أكثر وضوحاً في سياق معسكرات مختلفة، تقود إلى تغيرات ديناميكية، وهو ما يؤكده الباحث في العلاقات الدولية، عطيف محمد لـ«البيان»، حيث يشير إلى أن من السيناريوهات التي يواجهها الصراع الراهن على الصعيد السياسي، ما يتعلق بالتحام الكتلة الشرقية في مواجهة الغرب خاصة بين روسيا والصين، وربما قد تنضم إليهما الدول المتضررة من العقوبات الأمريكية.

ويوضح في الوقت نفسه إلى «بعض المؤشرات بدخول هذه الدول في حرب باردة في المجال الاقتصادي والتنافس حول مناطق النفوذ الاقتصادي (..) قد يؤدي ذلك إلى ميلاد نظام مالي عالمي جديد يتكون من التحالف الصيني- الروسي على المستوى المالي في المعاملات النقدية ضمن تلك التفاعلات الجديدة».

ويتابع: «من منظور العلاقات الدولية خاصة نظرية الاعتماد المتبادل، فإن المصالح والعلاقات بين الدول متشابكة ومتلاحمة، فإن وقعت أزمة في رقعة جغرافية معينة ستتأثر بها المنظومة الدولية، لذا فالنزاع المسلح بين روسيا وأوكرانيا سيؤثر حتماً في منظومة الاقتصاد العالمي، لا سيما في مجال الطاقة والأمن الغذائي»، وبما ينعكس على منظومة العلاقات السياسية وتوازن القوى والمتغيرات التي قد تطرأ على العلاقات الدولية في ضوء تصاعد الصراع وتداعياته الاقتصادية المختلفة.

البدائل الوطنية

ثالثاً، في ما يخص «البدائل الوطنية»، فقد أيقظ الصراع على جانب آخر، الحلول الوطنية لمجابهة آثار المتغيرات الدولية، التي تتمتع بقدر واسع من الديناميكية في الفترة الأخيرة، كي لا تظل المجتمعات رهينة لتلك المتغيرات، ومن ثمّ فإن الأزمة الراهنة تقود إلى إعادة النظر في بنية عديد من التفاعلات، لتظهر تغيرات جذرية فيها على المديين القصير والمتوسط.

يأتي ذلك في وقت تستحوذ فيه «البدائل المحلية» على جانب من اهتمام عديد من الأطراف المرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالأزمة، وهو ما يظهر في إيقاظ دعوات الاعتماد على الإنتاج المحلي من القمح في بعض الدول، والتنبيه إلى أهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي، للخروج من تداعيات الأزمات الدولية.

حتى على صعيد الدول المنضوية في الصراع، فإن الأزمة حفزت لديها التفكير في «البدائل الوطنية» على غرار خيارات أوروبا، لتحقيق الاستقلال في مجال الطاقة بالاعتماد على مصادر محلية.

أيضاً البدائل الروسية السابق الحديث بشأنها، فهي ليست فقط على الصعد السياسية والمالية والتجارية، إنما تمتد إلى سياقات مختلفة، منها مثلاً شبكة «الإنترنت» الدولية، التي تلوّح موسكو بالاستقلال عنها عبر شبكتها الخاصة، ما يسهم في تغير جذري في الفضاء الإلكتروني، ذلك جنباً إلى جنب والبدائل الروسية الأخرى في سياقات مختلفة نبهت الأزمة الحالية والعقوبات المفروضة على موسكو إلى أهميتها في خطٍ متوازٍ مع حملة المقاطعة، التي تعرضت لها روسيا على مستويات مختلفة أخرى (رياضياً وثقافياً وتكنولوجياً.. إلخ).

طباعة Email