عرض أمريكي لفنزويلا «النفط مقابل رفع العقوبات».. فهل تنجح الصفقة؟

أمريكا اللاتينية.. ماذا تنتظر من أزمة أوكرانيا؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

تُلقي الأزمة الأوكرانية بظلالها على مستويات مختلفة، سياسية واقتصادية في المقام الأول، وتمتد تداعياتها إلى خارج مسرح الأحداث الرئيسي، حيث حالة من الترقّب تلف العالم حول مآلات الموقف الحالي، تُطرح معها جملة من التحديات واسعة النطاق، وكذلك الفرص التي يُمكن لأطراف أخرى اقتناصها، لا سيما على الصعيد الاقتصادي.

أمريكا اللاتينية قارة مهمة اقتصادياً وسياسياً، ولطالما كانت، أو بعض دولها، مسرحاً لتوتّرات دولية، فضلاً عن كونها مصدراً غنياً بمصادر الطاقة وموارد أخرى كثيرة. في الأزمة الأوكرانية، تتجه الأنظار إلى هذه القارة التي ستحاول بدورها تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لها.

في الفناء الخلفي للولايات المتحدة الأمريكية، حيث دول أمريكا اللاتينية، تُتَابع عن كثب تطورات الوضع في أوكرانيا، لما لها من انعكاسات اقتصادية وجيوسياسية محتملة على تلك المنطقة، وسط انقسامات تشهدها مواقف الدول اللاتينية إزاء هذه الأوضاع، تعكس الأزمة جانباً من الحضور الروسي الواسع في الفناء الخلفي لأمريكا.

تشير الباحثة المتخصصة في أمريكا اللاتينية صدفة محمد، إلى طبيعة تلك التداعيات المحتملة، بدءاً من التداعيات الاقتصادية، إذ ترى أنه يمكن - حال استمرار الصراع - أن يمثل ذلك «نافذة فرصة» لدول القارة الجنوبية، باعتبار أنه «ربما يوفر تعطل إنتاج أوكرانيا المحتمل من القمح والذرة، وحال فرض روسيا حظراً كاملاً على صادراتها من بعض المنتجات الغذائية إلى الدول الغربية، وخصوصاً القمح والذرة، مع فرض عقوبات عليها، فرصاً كبيرة لعدد من البلدان في أمريكا الجنوبية».

وقد يسهم ذلك في تعويض دول القارة عن النقص المحتمل في إمدادات هذه المواد في السوق العالمية، إضافة إلى أن بعض الدول المصدّرة للنفط، ومنها البرازيل وفنزويلا، وهما من أكبر منتجي النفط في العالم، يمكن أن تستفيد من ارتفاع الأسعار، وربما من الحاجة لتعويض النفط الروسي في حال شملته العقوبات.

وروسيا أكبر مصدر للقمح عالمياً بـ 37.3 مليون طن، بينما تعتبر أوكرانيا من أكبر الدول المصدرة للذرة على مستوى العالم. وحال استمرار الصراع بما يؤثر على إمدادات الحبوب من روسيا وأوكرانيا، يمكن أن يصب ذلك في مصلحة البرازيل والأرجنتين بصفة خاصة، على اعتبار أن البرازيل أيضاً من أكبر مصدري الذرة في العالم، وصاحبة ثالث أكبر إنتاج، بينما تشتهر الأرجنتين بإنتاج الحمّص والفول السوداني.

لكنّ الباحثة تشير في الوقت نفسه إلى عامل معاكس، بالإشارة إلى موجة الجفاف التي أدت لتقليص إنتاج بعض دول أمريكا اللاتينية من المواد الغذائية، وبالتالي «يمكن أن تُفضي الأزمة إلى تعميق الصعوبات الاقتصادية لدول هذه القارة». وقد يؤدي ذلك إلى حالة من عدم اليقين بشأن إمكانات التصدير للخارج، وزيادة الأسعار، خصوصاً أن دول المنطقة تمثل حوالي 25 بالمئة من واردات الذرة العالمية.

تأثيرات مزدوجة

وبموازاة التداعيات الاقتصادية المرتقبة - بشقيها الإيجابي والسلبي - ثمة انعكاسات جيوسياسية قد تفرض نفسها على تلك الدول، من بينها تخفيف الضغط الذي يواجهه بعضها. وتتحدث الباحثة في شؤون أمريكا الجنوبية، عن «تأثير مزدوج» محتمل للأزمة الحالية على دول القارة، إذ ربما تسهم هذه الأزمة في تعزيز قدرة بعض دول المنطقة على مواجهة الضغوط الأمريكية المفروضة عليها (وبخاصة فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا)، وجميعها بلدان تفرض واشنطن عقوبات عليها لأسباب مختلفة.

وفي الوقت نفسه «يمكن أن يؤدي دعم هذه الدول لموقف روسيا من هذه الأزمة في توثيق الشراكات معها والحصول على المزيد من المساعدات العسكرية والاقتصادية منها».

وبحسب الباحثة، لا تقتصر المكاسب التي يمكن أن تحققها تلك الدول من دعم الموقف الروسي أو على أقل تقدير الإحجام عن مساندة الولايات المتحدة في هذه الأزمة، على الدول الحليفة لموسكو، بل يمكن أن تحرز أيضاً بعض الدول التي تربطها علاقات قوية بواشنطن بعض المكاسب من الأزمة، بما في ذلك تأكيد أهمية مكانتها السياسية وقدرتها على التصرف بشكل مستقل على الساحة الدولية، بما يتوافق مع مصالحها الاقتصادية.

دلالات

وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى دلالات زيارة الرئيس الأرجنتيني إلى روسيا والصين مطلع الشهر الماضي، والتي أسفرت عن حصوله على مزيد من الضمانات لاستمرار موسكو في توريد لقاحاتها المضادة لفيروس كورونا إلى الأرجنتين وتوقيعه على مذكرة تفاهم لانضمام بلاده إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية.

وكذلك زيارة الرئيس البرازيلي إلى روسيا، في ظل حاجة البرازيل إلى إقامة علاقات قوية مع جميع القوى العالمية. وتردف الباحثة قائلة: تسعى البرازيل لمكاسب مهمة مثل زيادة إمدادات روسيا من نترات الأمونيوم، التي تعتمد عليها البرازيل بشدة في صناعة الأسمدة الحيوية اللازمة لزراعة الذرة وغيرها من المحاصيل الزراعية.

وتعتبر البرازيل الوجهة الأولى لصادرات روسيا من نترات الأمونيوم، لكن الأخيرة فرضت أخيراً قيوداً على هذه الصادرات مما هدد الإمدادات البرازيلية.

لكن الباحثة السياسية المختصة بشؤون أمريكا اللاتينية، تلفت في الوقت نفسه إلى أن تعميق العلاقات البرازيلية مع روسيا، في هذا التوقيت بالتحديد، قد يؤثر في النهاية على محاولتها الانضمام إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أو تعزيز الشراكة مع الناتو.

خط المواجهة

في المقابل، يمكن - بحسب صدفة - أن تؤدي تطورات الأوضاع في أوكرانيا إلى وضع دول أمريكا الجنوبية في مقدمة خطوط المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وروسيا، خصوصاً مع التلميحات التي أطلقها بعض المسؤولين الروس بإمكانية قيام موسكو بنشر معداتها العسكرية في بعض دول أمريكا الجنوبية، بالتحديد فنزويلا وكوبا.

وكان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، قد رفض - خلال حوار أجراه منتصف يناير - استبعاد مسألة نقل بنى تحتية عسكرية إلى أعتاب أمريكا (تحديداً في فنزويلا وكوبا) حال انهارت المحادثات السابقة مع واشنطن بشأن التوترات مع أوكرانيا، ملقياً الكرة بملعب واشنطن.

ولعل زيارة وفد أمريكي لكراكاس نهاية الأسبوع الماضي لإجراء محادثات شملت مناقشة إمدادات الطاقة، يصب في خانة المحاولات الأمريكية لإحداث ثغرة في الجدار اللاتيني، والحصول على ما يعوّض أي نقص في إمدادات الطاقة الروسية. ونقلت وكالة فرانس برس عن الناطقة باسم البيت الأبيض جين ساكي للصحافيين قولها إن «هدف الرحلة التي قام بها مسؤولون في الإدارة لفنزويلا، هو مناقشة مجموعة من القضايا بما فيها الطاقة».

وأكد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الاجتماع في ظهور متلفز الاثنين الماضي، ووصفه بأنه اتسم «بالاحترام والودية الدبلوماسية» من دون الخوض في التفاصيل حول القضايا التي تم التطرق إليها. وقال «تم ذلك في المكتب الرئاسي. تحدثنا قرابة ساعتين»، مضيفاً «بدا لي أنه من المهم جداً أن أكون قادراً وجهاً لوجه، على مناقشة المواضيع المهمة للغاية بالنسبة إلى فنزويلا».

النفط الفنزويلي

وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن الزيارة مرتبطة باهتمام واشنطن باستئناف استيراد النفط من فنزويلا بدلاً من الكميات التي تشتريها حالياً من روسيا، وسط حديث عن ضخ النفط للولايات المتحدة مقابل رفع العقوبات عن فنزويلا.

وشكك الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلة، الذي تربطه علاقة متوترة بالولايات المتحدة، في دوافع واشنطن بعد زيارة كراكاس. وكتب على تويتر «الحكومة الأمريكية تقرر من هو الشرير ومن هو الصالح وأيضاً متى يصبح الشرير صالحاً والصالح شريراً».

وتختتم الباحثة المتخصصة في أمريكا اللاتينية صدفة محمد، حديثها بالإشارة إلى أن «تأثير الأزمة على دول أمريكا الجنوبية سيكون كبيراً، لكنه سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة هذه الدول على توظيف الأزمة بما يخدم مصالحها، والتحرك بشكل متوازن بين القوى الدولية المتنافسة».

طباعة Email