بينما يكافح العالم من أجل التصدي لـ«التغير المناخي»، فإن ثمة مفارقات مثيرة للانتباه تعارض الاستراتيجيات التي بنيت عليها خطط التنمية المستدامة، فالأمر لا يتعلّق بإجراءات مباشرة مثل الحد من انبعاثات الكربون واعتماد الطاقة النظيفة وغيرها. لا بد من مكافحة شاملة. ثمة حاجة، على سبيل المثال، لـ«إزالة التفضيل لواردات السلع غير النظيفة، كثيفة الكربون، من أجل إنشاء سلاسل إمداد أنظف».
تبزغ واحدة من تلك المفارقات بقطاع التجارة، ففي وقت تثار مخاوف عديد من الدول والشركات بشأن استدامة سلاسل التوريد، فإن عديداً من البلدان تكون التعريفات الجمركية فيها على «السلع ذات المحتوى العالي من الكربون» أقل في الغالب من التعريفات المفروضة على «السلع الأنظف»، في تعارض مباشر مع أهداف خفض الانبعاثات المنصوص عليها في اتفاقية باريس للمناخ للعام 2015.
وبحسب تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي، فإن «إزالة هذا التفضيل لواردات السلع (غير النظيفة) كثيفة الكربون، طريقة سهلة لإنشاء سلاسل إمداد أنظف وتقليل انبعاثات الكربون».
ومن ناحية أخرى، فإن الطقس المتطرف الناجم عن تغير المناخ يؤدي إلى تدمير النقل واللوجستيات والبنية التحتية الرقمية، ويقوّض مخزون رأس المال والقدرة على التصدير، ويلحق الضرر بالأراضي الزراعية ويعطل الأمن الغذائي، ولهذا كله عواقب وخيمة على الأهداف الإنمائية طويلة المدى. فيما يمكن أن تلعب التجارة دوراً مهماً في مواجهة هذه التحديات العديدة، لكن بنهج عمل مختلف عن المعتاد، و«مع السياسات البيئية الصحيحة المعمول بها، ستضمن التجارة - عبر تدابير جديدة - أن ينتقل الإنتاج إلى المناطق ذات البصمة الكربونية المنخفضة بشكل خاص، وسيؤدي ذلك إلى تعزيز القدرة التنافسية والدفع باعتماد حلول أكثر مراعاة للبيئة عبر سلاسل التوريد».
ضبط التجارة
يلفت التقرير المنشور بموقع المنتدى في فبراير 2022، إلى أهمية «إعادة ضبط التجارة لتصبح آلية تنمية خضراء ومرنة وشاملة تعمل بنشاط على تعزيز الحلول الجاهزة للمناخ للاقتصادات الضعيفة بشكل خاص». ويضيف: «نحن بحاجة إلى جعل التجارة تعمل لصالح الجميع حتى تتمكن البلدان النامية من التكيف والازدهار في مستقبل منخفض الكربون». ويشدد التقرير على أهمية أن يكون هناك حوار بشأن اللوائح التجارية لنقل العالم إلى مستقبل منخفض الكربون.
ويمكن للتجارة أن تلعب دوراً مهماً في خلق اقتصادات أكثر شمولية ومرونة واستدامة، من خلال دعم الوصول إلى الحلول الخضراء للمشاكل في المواقع النائية بشكل خاص. ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور سيد خضر: إن ثمة عوامل أساسية يمكن الدفع بها في هذا الإطار، من أجل تشجيع الاستثمار في (السلع النظيفة) أو الواردات النظيفة، لا سيما في تفاقم خطورة آثار التغير المناخي.
ويوضح في تصريحات خاصة لـ«البيان» من القاهرة، أن الحكومات مسؤولة عن الشجيع في الاستثمار في السلع النظيفة وفتح آفاق استثمارية جديدة من أجل المساهمة في مواجهة آثار التغيرات المناخية، وذلك عبر ضخ المزيد من الموارد المالية والاستثمارات الرشيدة بهدف تقليل الانبعاثات والتكيف مع الآثار التي تحدثها ولبناء القدرة على التحكم في تلك الظاهرة، مبرزاً أهمية تقديم حوافز لدعم الاقتصاد الأخضر وأدواته، ومن بينها المنتجات الصديقة للبيئة.
«قيمة التجارة في مثل هذه المنتجات الصديقة للمناخ الآن أكثر من تريليون دولار، أدى ذلك إلى زيادة الطلب على مجموعة من مقدمي الخدمات البيئية الذين يزودون الأشخاص بالمهارات اللازمة للقيام بأعمال تجارية بطرق واعية بالبيئة»، بحسب الإحصاءات التي ذكرها تقرير المنتدى الاقتصادي المشار إليه.
ويوضح خضر في معرض حديثه مع «البيان» أن الأدوات الطموحة مثل إزالة التفضيل لواردات السلع غير النظيفة، والتي هي إجراءات ضرورية لمكافحة التغير المناخي، لا تنفصل عن إجراءات التوسع في الطاقة النظيفة وتشجيع الاستثمار في القطاعات منخفضة الانبعاثات، وبشكل خاص فيما يتعلق بقطاع الزراعة الذي تأثر كثيراً بالتغير المناخي، ويشهد العالم ارتفاعات في أسعار المواد الغذائية لهذا السبب.
تحقيق التنمية
في السياق، تشير المديرة العامة لسياسة التنمية والشراكات بالبنك الدولي ماري إلكا بانجيستو، في تغريدات لها عبر صفحتها الرسمية بموقع «تويتر»، إلى أنه «انطلاقاً من الأزمة الاقتصادية، فإن ثمة فرصة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، لتوفير تنمية أكثر اخضراراً ومرونة وشمولية، ويمكن أن تكون التجارة أداة قوية لتحقيق ذلك، باتباع السياسات الصحيحة».
وتشير بموازاة ذلك إلى أن «التجارة يمكن أن تدعم الاقتصاد الأخضر وتسهل التحول منخفض الكربون، ذلك أن الانتقال إلى الكربون المنخفض يشكل فرصة كبيرة ومصادر جديدة للقدرة التنافسية للبلدان النامية». وتضيف: «بينما تلعب التجارة العالمية دوراً رئيسياً في الحد من الفقر، يجب توزيع المكاسب على نحو أكثر توازناً.. التجارة مع السياسات المحلية التي تصاحب دور الأسواق المفتوحة ستكون ضرورية لضمان الانتعاش الاقتصادي الأخضر والمرن والشامل».
تأثيرات شديدة
ويؤثر تغير المناخ سلباً على ما يمكن أن تنتجه البلدان وتصدّره. كما أن الدول المعتمدة على الزراعة معرضة بشدة لأنماط الطقس وتحتاج إلى حلول التكنولوجيا الخضراء للتكيف، حيث انخفضت غلّة المحاصيل في المناطق القريبة من خط الاستواء، بينما تواجه مناطق الأراضي الجافة في أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية مزيداً من انعدام الأمن الغذائي.
تحتاج مثل هذه البلدان بشكل عاجل إلى التكيف مع تهديدات تغير المناخ. ويمكن أن يساعد الوصول إلى التقنيات الجديدة، التي تمكّنها أنظمة التجارة العالمية، في بناء مرونتها الاقتصادية، بحسب التقرير المذكور.
ومن خلال تلك النوعية من التدابير التجارية الضرورية للاستجابة للأزمة، ومن بينها تحرير المنتجات النظيفة من الرسوم الجمركية «ستستفيد الاقتصادات من الفرص الاقتصادية الجديدة، من خلال الانتقال إلى المنتجات البيئيّة النظيفة».
وفي السياق، يشدد التقرير على ضرورة أن تكون البلدان النامية على طاولة المفاوضات التجارية متعددة الأطراف لجني ثمار هذه الفرص. ويجب أن تركز هذه المفاوضات على التعريفات الجمركية على المنتجات المفضلة بيئياً، وكذلك على السلع البيئية مثل الألواح الشمسية التي لها هدف بيئي محدد.
كما ينبغي عليها الانخراط في حوار حول الحواجز غير الجمركية التي تؤثر على هذه السلع واللوائح المتعلقة بالتجارة في الخدمات البيئية وغيرها من السلع المستجيبة للمناخ.
