عززت أزمة أوكرانيا الحالية والتهديدات الجيوسياسية المرتبطة بها، مخاوف الدول الأوروبية بشأن ملف الطاقة، في ظل ما كشفته حول ما يحيط بذلك الملف من تحديات واسعة؛ لجهة الاعتماد بشكل كبير على إمدادات الغاز من روسيا، وبما يضع دول القارة العجوز رهينة تلك التطورات السياسية في منطقة مشتعلة تتسارع فيها وتيرة التوترات.
في ضوء الأزمة الأوكرانية والمخاوف الأوروبية بشأن ملف الطاقة وإمدادات الغاز خاصة مع اعتماد القارة العجوز على الغاز الروسي.. تفرض مسألة «الاستقلال في مجال الطاقة» نفسها كأولوية قصوى بالنسبة للجانب الأوروبي؛ في مواجهة تلك التهديدات المتكررة، وفي ضوء ما يتم طرحه من بدائل يُنظر إلى بعضها على أنها بدائل «مؤقتة» تحدها جملة من العقبات مثل ارتفاع التكلفة.
من بين البدائل مخزون الغاز الأوروبي، والإمدادات الخارجية البديلة من دول عربية مثل قطر والجزائر، بالإضافة إلى استخدام الفحم الحجري. فيما تعهدت الولايات المتحدة بدعم أوروبا لتأمين إمدادات الغاز عوضاً عن روسيا حال وقف الإمدادات، في وقتٍ يتجدد فيه الجدل بشأن مدى إمكانية الاعتماد على الغاز المسال المنقول بواسطة ناقلات ليحل محل الغاز الروسي، لجهة الشكوك حول مدى ملاءمة البنية التحتية وجاهزيتها لاستقبال الغاز المسال.
الرهان على المخزون يظل خياراً مؤقتاً فقط؛ ذلك أن المخزون الأوروبي من الغاز يسجل أدنى مستوى له، بحسب «كومرتس بنك»، والذي أشار إلى أن المخزون يصل إلى نسبة أقل بكثير من المتوسط طويل الأجل، بما يجعل الاعتماد على المخزون أمراً مؤقتاً فقط.
دعم أمريكي
وتدرك الولايات المتحدة أن هناك مخاوف حقيقية فيما يخص الاستقلال في مجال الطاقة بالنسبة لعديد من الدول الأوروبية؛ ولذلك تناقش هذا الملف مع شركائها، وهو ما يؤكده لـ «البيان» مصدر دبلوماسي أمريكي، قال إن بلاده «تولي أهمية كبيرة بهذا الملف، وسنبذل كل ما بوسعنا لضمان إمدادات الطاقة للدول الأوروبية»، مشدداً في الوقت نفسه بخصوص البدائل المطروحة، على أنه «تُجرى مناقشة الإمكانيات المختلفة المتاحة مع الدول الأوروبية».
وتابع: «ما نود التأكيد عليه هو أهمية استقلال أوروبا فيما يخص مصادر الطاقة، ولذلك نحن مستمرون في مناقشاتنا مع الدول الأوروبية وغيرهم من حلفائنا بشأن كيفية تعزيز مصادر الطاقة للدول الأوروبية؛ كي تكون قادرة على تفادي أو التغلب على أي ضغوط روسية».
وحول مدى مراعاة آثار أي قرارات أمريكية في أزمة أوكرانيا على مصلحة الجانب الأوروبي، قال: «واشنطن تعمل جنباً إلى جنب مع شركائها في أوروبا، ولن تتخذ أي خطوات من دون شركائها (..) على مدار الأسابيع والأشهر الماضية بقيت الولايات المتحدة على تواصل وثيق مع شركائها، وتم حشد حلفائنا في أوروبا وفي دول أخرى.. هذه المسألة في غاية الأهمية للمجتمع الدولي ككل؛ لأنها أبعد من حدود أوكرانيا مع روسيا، إنما هي تتعلق باحترام المبادئ الدولية».
الغاز المسال
وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مصدر للغاز المسال في العالم حالياً. ويختلف المحللون حول مدى نجاعة الإمدادات الأمريكية في أن تحل محل الغاز الروسي.
وذكر كبير المحللين الاقتصاديين في «كومرتس بنك» بيرند فايدنشتاينر، في تصريحات صحافية، أن «الغاز الطبيعي المسال لن يكون قادراً على سد فجوة الغاز الروسي بشكل كامل على المدى القصير جراء غياب القدرة على توفير فائض غاز على المدى القصير، من قبل مصدرين».
أولوية
ويأتي ملف أمن الطاقة في مقدمة أولويات الدول الأوروبية، لا سيما لجهة اعتماد دول أوروبا على نسبة 40% من احتياجاتها من الغاز. ويتحدث المحلل الإيطالي بموقع «ديكود 39»، ماسيميليانو بوكوليني، في تصريحات لـ«البيان»، عن إيطاليا كنموذج، مشيراً إلى أن «إمدادات الطاقة بالنسبة للحكومة الإيطالية أصبحت موضوعاً حساساً للغاية، وتشكل أولوية في السياسة الخارجية، خصوصاً الآن بعد الأزمة في أوكرانيا، لا سيما أن 30%من الطاقة، وخصوصاً من الغاز، المستخدمة في إيطاليا تأتي من روسيا».
وأشار المحلل السياسي الإيطالي، إلى أن حكومة بلاده تتحرك الآن في مسارين متوازيين؛ المسار الأول مرتبط بالدفع بالحلول الدبلوماسية للأزمة في أوكرانيا (لضمان عدم تأثر إمدادات الطاقة الواردة إلى أوروبا من روسيا).
بينما المسار الثاني فيرتبط أساساً بـ «البحث عن بدائل لإمدادات الطاقة»، موضحاً أن الولايات المتحدة الأمريكية وعدت بدعم أوروبا بإمدادات الغاز عبر السفن، حال توقفت الإمدادات من روسيا، فضلاً عن البحث عن مصادر من بلدان أخرى، موضحاً أن «هناك رؤية استراتيجية لإيطاليا لكي لا تتضرر في ملف الطاقة لو بدأت الحرب في أوكرانيا بشكل عملي».
مصادر دائمة
وفي السياق، يعلق الرئيس التنفيذي لمركز كوروم للدراسات الاستراتيجية في لندن، طارق الرفاعي، في تصريحات لـ«البيان»، قائلاً، إن الولايات المتحدة قالت إنها مستعدة لمساعدة أوروبا فيما يتعلق بإمدادات الطاقة - في ظل الأزمة الحالية (أزمة أوكرانيا) وما لها من تبعات مرتبطة بإمدادات الغاز الروسي، علاوة على أنه يتم الحديث عن بدائل من دول أخرى من بينها دول عربية لمد أوروبا بالغاز مثل قطر والجزائر.
لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن تلك البدائل تعتبر في تقديره حلولاً مؤقتة وليست دائمة، لا سيما في ظل عوامل عدة من بينها ارتفاع التكلفة مقارنة بالغاز الطبيعي الذي يصل أوروبا عبر الأنابيب. ويقول إن الدول الأوروبية تعاني من أزمة واضحة؛ فألمانيا على سبيل المثال التي تعتمد بشكل أساسي على الغاز الطبيعي من روسيا كانت قد أغلقت في نهاية العام 2021 مفاعلات نووية للطاقة هناك، على رغم التوترات والتهديدات التي تلف ملف الطاقة في الوقت الحالي ذلك أيضاً برغم أن الطاقة النووية ذات كفاءة عالية ونظيفة ولا تنتج عنها ملوثات ويمكن الاعتماد عليها، وبسبب هذا الإقفال تعتمد برلين بشكل أكبر على الفحم الحجري في توليد الكهرباء.
الطاقة النووية
شكلت نسبة توليد الكهرباء من الطاقة النووية ربع الطاقة المولدة في العام 2020 في أوروبا (لا سيما فرنسا وألمانيا وإسبانيا والسويد)، طبقاً لإحصاءات وكالة الإحصاء التابعة للاتحاد الأوروبي (يوروستات).
وعلى رغم ذلك، تشهد أوروبا انقسامات بشأن الطاقة النووية والنفايات المشعة الناتجة عنها، ذلك بعد أن لاقى اقتراح من جانب المفوضة الأوروبية بتصنيف استثمارات الغاز والطاقة النووية على أنها صديقة للمناخ لكونها لا تسبب أي غازات احتباس حراري، وهو توجه تعارضه ألمانيا بضراوة وترفضه إيطاليا، فيما هددت النمسا باللجوء للقضاء ضده.
لكن الرئيس التنفيذي لمركز كوروم للدراسات الاستراتيجية في لندن، يعتقد بأن «الحل المستدام يكمن في الاتجاه نحو إنتاج الطاقة محلياً.. على الدول الأوروبية - خصوصاً ألمانيا - الاتجاه نحو الطاقة النووية النظيفة بسبب كفاءتها العالية وتكلفتها المناسبة نسبياً وأسباب أخرى.. الأزمة الأوكرانية والمشكلات الجيوسياسية تعتبر دافعاً لاعتماد أوروبا على مصادر بديلة، والاتجاه نحو الاعتماد على الطاقة محلياً بالتوسع في إنشاء المفاعلات».
