أزمة تحبس أنفاس العالم في ظل التقارير الغربية حول قرب «الاجتياح الروسي لأوكرانيا»، تتجاوز الأبعاد الداخلية والإقليمية إلى «أبعاد دولية» قد تجعل من أوكرانيا مسرحاً لإعادة تشكيل النظام الدولي، في ضوء ما يقود إليه الصراع من اصطفافات جديدة.
ومع إصرار روسيا على رفض تمدّد حلف الناتو شرقاً، وتبني الصين للموقف ذاته، ثمة تحديات يفرضها هذا الصراع على المواقف الأوروبية، في ظل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي. اصطفافات وحالة تأهب قصوى وتفاعلات تُحدد ملامح أزمة عالمية.
تتخذ الأزمة في أوكرانيا أبعاداً رئيسية عدّة، بدءاً من «الأبعاد الداخلية» المُركّبة المرتبطة أساساً بالانقسامات المحلية، لا سيما منذ ثورة 2005 الملونة، وما تبعها من صراعات طغت على المشهد في هذا البلد الواقع شرق القارة العجوز، وصولاً إلى دخول الجيش الروسي إلى شبه جزيرة القرم في 2014، ومع فشل تطبيق اتفاق مينسك 2015 بشكل عملي على الأرض، ما شكّل بيئة خصبة لتنامي الصراع. وكذلك «الأبعاد الإقليمية» شديدة التعقيد بالنسبة لأوروبا التي تواجه خيارات صعبة تهدد مصالحها السياسية والاقتصادية.
الأزمة التي تحبس أنفاس العالم انتظاراً لمآلاتها في ظل توارد التقارير الغربية حول نية روسيا اجتياح أوكرانيا، تتجاوز تلك الأبعاد (الداخلية والإقليمية) إلى أبعاد أكثر تأثيراً و«خطورة»، وهي «الأبعاد الدولية» التي قد تجعل من كييف مسرحاً لتطورات مفصلية قد تعيد تشكيل النظام الدولي، ويتحدد بناءً عليها مستقبله في ضوء ما يقود إليه الصراع لاصطفافات جديدة.
روسيا الرافضة لتمدد حلف الناتو شرقاً، ومعها الصين التي تدعو للموقف ذاته، في مواجهة الغرب والولايات المتحدة، مع تصاعد حدة التوتر، وفي ضوء التحديات التي يفرضها ذلك الصراع على المواقف الأوروبية، لا سيما في ظل اعتماد أوروبا على إمدادات الغاز من موسكو، وبما يحمله ذلك من تحديات مركبة جيوسياسية واقتصادية. وفي خضم ذلك الاصطفاف وحالة التأهب القصوى، تراقب الأطراف المختلفة حول العالم تفاعلات الأزمة. ومن هنا تُحدد المعالم الرئيسية لـ «عالمية» أزمة أوكرانيا.
تُعول موسكو على سلاح الطاقة، والمصالح الاقتصادية التي تجمعها وأوروبا، فيما تُشهر واشنطن سلاح العقوبات وتعطيل خط أنابيب الغاز الذي يصل روسيا بألمانيا «نورد ستريم 2»، فيما الدول الأوروبية في وضع مركب، بين رفض المطالب الروسية التي يراها الاتحاد الأوروبي «غير مقبولة على الإطلاق»، وبين المصالح الاقتصادية التي تجمع دول القارة -لا سيما ألمانيا وفرنسا بشكل خاص- مع روسيا، وهو الموقف المعقد الذي يجعل دولة مثل ألمانيا تلعب دوراً أشبه بدور الوسيط، لإنهاء الأزمة قبل أن تشتعل نيرانها في المنطقة، في وقت تصل الإمدادات العسكرية أوكرانيا تباعاً من دول أوروبية والولايات المتحدة، فيما تتواصل الحشود الروسية على الحدود الشرقية لأوكرانيا، رغم التقارير عن انسحابات جزئية.
يجري ذلك في ضوء ما يُمكن توصيفه بـ «الحرب الباردة الجديدة» والتي تبزغ فيها أسلحة غير تقليدية، بدءاً من «سلاح الطاقة»، ووصولاً للتطبيقات التكنولوجية المختلفة والحروب السيبرانية، وغيرها من الأدوات التي تلعب دوراً محورياً في تحديد مستقبل النظام العالمي.
اختبار قوي
ويرى مراقبون أن الأزمة الراهنة تضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار شديد الصعوبة، ينعكس على مستقبل النظام الدولي، لجهة أن نجاح واشنطن والغرب في مواجهة الضغوط الروسية وعدم الانصياع لها يعني ردع معسكر القوى الساعية لإحداث تغير عاصف ببنية النظام العالمي مبني على أساس التعددية القطبية، روسيا والصين بشكل خاص، واللتان وقعتا بياناً مشتركاً حول دخول العلاقات الدولية عصر جديد، خلال آخر لقاء جمع الرئيس الروسي نظيره الصيني في الأسبوع الأول من فبراير الجاري.
البيان المذكور يمكن النظر إليه باعتباره إعلاناً واضحاً عن نُذر مستقبل جديد تتشكل معالمه من بكين وموسكو، ينعكس على النظام الدولي لإنهاء عصر القطب الواحد الذي تشكل في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، وبشكل متسارع، في خضم التوترات الراهنة، ومع اصطفاف الحلف الروسي الصيني في مواجهة أمريكا والغرب.
بينما على الجانب الآخر، تُدرك روسيا أن الرضوخ للضغوطات التي تمارسها في مواجهة تمدد «الناتو» شرقاً، تعني كسر شوكة واشنطن والغرب، ما يشكل صفحة جديدة -تصب في صالح موسكو بشكل مباشر- لصياغة جديدة لهرمية القوى في مستقبل النظام الدولي، وكذلك بنية التفاعلات في النظام العالمي.
وثمة عوامل مختلفة تستغلها روسيا في إطار إقدامها على اتخاذ خطوات مماثلة، من بينها التغيرات التي طرأت على سياسة الولايات المتحدة، وعوامل الضعف التي تعتريها، وهو الرأي الذي تتبناه السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي، والتي قالت لشبكة «فوكس نيوز» في الأسبوع الثاني من الشهر الجاري، إن «بوتين يعرف جيداً أن جو بايدن هو أضعف رئيس في التاريخ، وبالتالي إنهم (الروس) إذا كانوا يريدون اتخاذ إجراءات جذرية مثل غزو أوكرانيا فهذا هو الوقت المناسب للقيام بذلك».
ملامح جديدة
وتشير أستاذة العلوم السياسية المختصة في الشؤون السياسية الصينية، الدكتورة نادية حلمي، إلى أن المشهد الحالي فيما يخص أزمة أوكرانيا لا يمكن النظر إليه بمعزلٍ عن تفاعلاته الدولية، ذلك أنه يشكل تجسيداً لملامح جديدة لمستقبل النظام العالمي، في ضوء ما تعكسه الأزمة من انقسامات واصطفافات قوى بين روسيا وحلفائها من ناحية، والولايات المتحدة وحلفائها من ناحية أخرى.
وتوضح أن روسيا والصين تتخوفان من خسارة أول مواجهة حقيقية مع حلف الناتو والغرب بقيادة واشنطن بالأساس، بالنظر إلى أنه لو انضمت أوكرانيا إلى حلف الناتو سيعني ذلك توسع الحلف وزيادة النفوذ الغربي في مناطق نفوذ روسيا في أوروبا الشرقية ومنطقة «الإندو-باسيفيك» القريبة من مناطق النفوذ المباشر للصين، وبما يضعف التحالف الروسي والصيني عالمياً.
«ومن هنا نفهم أننا أمام نظام عالمي جديد بدأ يتشكل بدعم بكين للموقف الروسي بشكل صريح، مع حرص الرئيسين الصيني شي جين بينغ، والروسي فلاديمير بوتين، على إظهار تحالفهما عالمياً في مواجهة الضغوط الغربية والأمريكية، وهو الأمر الذي دفعهما لتوقيع اتفاق غاز ضخم وصلت قيمته إلى 400 مليار دولار في ذروة اشتعال أزمة ضم القرم في العام 2014»، بحسب حلمي.
تحالف جديد
ومن هنا يُمكن النظر للأزمة في أوكرانيا وما يصاحبها من تفاعلات مختلفة على أنها لحظة فاصلة في تاريخ الصراع بين روسيا و«الناتو»، بما يفتح الباب أمام سيناريوهات مُختلفة من واقع حجم التهديدات التي تسلط الأزمة الضوء عليها بشكل واضح. ويشير المحلل السياسي والمستشار السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، حازم الغبرا، إلى أنه «يتعين على حلف الناتو العودة إلى الأساس والجذور، وتذكر هدفه الأساسي الذي بني عليه من أجل الوقوف في وجه روسيا والدفاع عن المصالح الغربية والفكر والأيديولوجيا الغربية مقابل الأيدلوجيا الروسية».
ويتابع: «هذه الأيديولوجيا الروسية تعود اليوم بفكرة الزعيم القوي الأوحد، مع محاولة العودة الروسية كقطب آخر دولي.. هذا التهديد الذي عمل حلف شمال الأطلسي «الناتو» في العقود الماضية على صده يعود اليوم إلى الواجهة.. فماذا سيكون رد فعل الناتو؟ وكيف ستقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون برد هذا التهديد؟».
ويقول الغبرا: «الناتو أصبح هَرِماً بعض الشيء، وأعتقد بأنه حان الوقت أن يكون هناك تحالف دولي جديد بصيغة واقعية أكثر للقرن الـحادي والعشرين.. الناتو اليوم ليس مناسباً لمرحلة تشهد تهديدات مختلفة، ربما أكبر من التهديدات الروسية، من بينها الإرهاب والدور الصيني، وبالتالي حان الوقت إلى إعادة النظر في هذا التحالف الدولي الذي كان هدفه توحيد دول متقاربة.. ربما من خلال إعادة تشكيل الناتو في حلة جديدة قد لا تشمل فقط أوروبا والولايات المتحدة، بل تشمل أيضاً دول آسيا ودولاً عربية».
يتزامن ذلك وجملة من التباينات تفرض نفسها على طاولة أعضاء «الناتو»، وهي التباينات التي قد تعبر عن جزء من واقع التغييرات المحتملة والمتسارعة في مستقبل النظام الدولي، وجميعها معطيات تفرض نفسها على الصراع القائم، في انتظار «من يستسلم أولاً»، حيث يرى مراقبون أنه لم يعد ثمة مكان للصيغ الرمادية التي تُبقي الحال على ما هو عليه، وأن التطورات المتسارعة حول العالم تفرض نفسها على بنية النظام الدولي.


