الصراع الروسي الغربي في أوكرانيا لا يقتصر على الحشود العسكرية والمناورات والتسليح، ولا على لهجة الخطاب والتهديدات المتبادلة. ثمّة جانب لا يقل أهمية في هذا الصراع، بل قد يكون هو الأهم، وهو «الغاز الروسي»، السلاح الذي تملكه موسكو من دون أن تلوّح به، إنما على العكس، صدرت رسائل إعلامية عن مسؤولين روس حاولت طمأنة أوروبا. إلا أن الدول الأوروبية لا تسلّم بهذه التطمينات، فما أن تقرع طبول الحرب حتى يصبح كل شيء وارداً، ولذلك تبدي ألمانيا مزيداً من التحفظ تجاه الدعم الغربي لأوكرانيا، خصوصاً لجهة التسليح، إذ إن ألمانيا هي أكثر دولة اعتماداً على الغاز الروسي. لكن ماذا لو استخدمت روسيا هذا السلاح؟

أوروبا قد تجد نفسها تكافح من أجل البقاء لفترة طويلة من دون الغاز الروسي، إذ إن إيجاد مصادر بديلة يمثل تحدياً لوجستياً ضخماً، وبخاصة خلال فصل الشتاء الصعب. وتعتقد غانيس كلوج، المتخصصة في شؤون أوروبا الشرقية في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، أنه «لا بديل سريعاً وسهلاً»، لكن موقع «اندبندنت عربية» نقل عن مسؤولين كبار في البيت الأبيض قولهم هذا الأسبوع، إنهم يتحدثون مع دول وشركات في شأن زيادة الإنتاج.

هل من الممكن توفير البدائل بسهولة؟ لا يبدو الأمر كذلك، فإنشاء خطوط الأنابيب الجديدة يحتاج إلى سنوات، ويرى نيكوس تسافوس، المتخصص في الطاقة في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن الاضطرابات الطفيفة في الإمدادات من شأنها أن تنحني لكنها لن تكسر النظام، لكن السيناريو الأسوأ الذي يختفي فيه الغاز الروسي بالكامل سيكون قصة مختلفة. ويقول إن «قطع الغاز عبر أوكرانيا مؤلم، لكن يمكن التحكم فيه... أما القطع التام لصادرات الطاقة الروسية فسيكون كارثياً».

الأزمة أصعب

هذا الواقع يسلط الضوء على مدى اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، ففي 2020، استحوذت روسيا على نحو 38 في المئة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي. وتنقل «سي إن إن»، عن كارستن برزيسكي، الرئيس العالمي لأبحاث «الماكرو» في بنك «آي أن جي» الهولندي، أن «هذه لحظة صعبة... يا إلهي... إذ تدرك المنطقة أنها تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي».

في تقرير حديث، أشار المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية إلى أنه في «هذا الشتاء، ببساطة لا يوجد حل آخر سوى الاستمرار في استيراد الغاز الروسي»، لكن ليس من المتوقع أن تسلك موسكو هذا الطريق الذي من شأنه أن يصعّد التوترات بشكل كبير ويوحد أوروبا ضدها.

ويستبعد هينينغ غلويستين، مدير برنامج الطاقة في شركة «أوراسيا غروب» الاستشارية، التوقف التام لصادرات الغاز الروسي إلى أوروبا، لأنه يمثل خرقاً كبيراً للعقد من قبل شركة «غازبروم» الروسية، فيما يعتقد قال رئيس الوزراء النرويجي غوناس جاهر ستور، أن «لعب روسيا بورقة الغاز مع الغرب ليس قابلاً للتطبيق».

وفي وقت تسعى ألمانيا لتحقيق هدفها في الانتقال إلى مصادر للطاقة النظيفة خلال العقد المقبل، فإنها اعتمدت على الغاز لسدّ الفجوة مؤقتاً. وتشير المعطيات إلى أن 55 في المئة من واردات الغاز الألمانية مصدرها روسيا. لذلك، أقرّت حكومة المستشار أولاف شولتس بأن أي عقوبات تفرض على روسيا، ستمثّل ضربة أيضا للاقتصاد الألماني.

لا إجابات

رئيس نقابة التعدين والكيمياء الألمانية مايكل فاسيلياديس حذر من أنه «إذا تخلينا عن الغاز الروسي ونورد ستريم 2، لن نغرق في الظلام فوراً، لكن الأمر سيكون مكلفاً، وسيطرح أسئلة لا إجابات عليها بشأن إمدادات الغاز في المستقبل، وسنواجه مشكلة»، وفقاً لما نقلت عنه وكالة فرانس برس.

وفيما تخوض ألمانيا سباقاً مع الزمن، تطلق الحكومة برنامجاً ضخماً لبناء توربينات هوائية تغطي 2% من أراضي البلاد، ويتطلب وضع ألواح للطاقة الشمسية على الأسطح.

ويزداد استهلاك ألمانيا للغاز بالفعل. ففي العام 2021، استخدمت 1,003 مليار كيلوواط ساعة، في زيادة نسبتها 3,9 في المئة عن العام السابق. وتتطلع الحكومة إلى تنويع وارداتها لخفض اعتمادها على روسيا في المستقبل القريب. وقال مصدر في وزارة الاقتصاد إن أحد «البدائل» سيتمثّل باستهلاك كامل طاقة محطات الغاز الطبيعي المسال الأوروبية.

ولكن من شأن حلّ كهذا يقوم على الاستيراد من دول أخرى أن يكون مكلفاً. وقد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى ازدياد التضخم الذي بلغ مستويات قياسية في ألمانيا ومنطقة اليورو في الأشهر الأخيرة. ولعلّ ما يجعل الأمور أكثر صعوبة - حسب «فرانس برس» - هو انخفاض مخزون الغاز الألماني بشكل استثنائي، إذ يبلغ حالياً أقل من 42 في المئة في حدّه الأقصى. وتسعى الحكومة لمواجهة المسألة بشجاعة.

يبقى القول إن الحرب دائماً ما تفرض خيارات أو تغلق خيارات، وتبقي الباب مفتوحاً على تداعيات غير محسوبة.