فيما تستعد البرازيل لانتخابات رئاسية في مثل هذه الأيام من العام المقبل، يواجه الرئيس غاير بولسونارو اتهامات برلمانية بارتكاب جرائم «متعمّدة» خلال وباء كورونا، وبالمقابل يحظى الرئيس الأسبق لولا دا سيلفا بفرصة للعودة إذا قرر الترشّح للانتخابات، إذ تمنحه استطلاعات الرأي أفضلية تبلغ ضعف ما يتمتع به الرئيس الحالي.

وطلبت لجنة تحقيق برلمانية تابعة لمجلس الشيوخ البرازيلي، اليوم الأربعاء، توجيه الاتهام إلى بولسونارو، بارتكاب عشر جرائم «متعمدة» خلال وباء كورونا الذي أودى بحياة أكثر من 600 ألف شخص في البرازيل. وبعد جلسات صاخبة استمرت ستة أشهر تخللتها شهادات مؤثرة، وكشف خلالها عن تجارب أجريت على بشر لأدوية غير فعالة، نشرت اللجنة التي تضم أعضاء في مجلس الشيوخ من مختلف التيارات تقريراً من نحو 1200 صفحة، نقلت وسائل الإعلام الكبرى في البرازيل وقائعه.

وكان المقرر العام رينان كاهيروس أعلن الثلاثاء أنه أبقى على تسع تهم ضد بولسونارو، منها ارتكاب «جريمة ضد الإنسانية»، فيما سحبت تهمتا «القتل» و«الإبادة الجماعية للسكان الأصليين» في اللحظة الأخيرة بسبب خلافات داخل اللجنة التي رأت أن الجرائم المذكورة في التقرير «متعمدة»، لأن الحكومة قرّرت عمداً عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لاحتواء انتشار الفيروس، كما نقلت وكالة فرانس برس. 

وبدأت اللجنة عملها في أبريل، في ذروة أزمة وباء كورونا في البرازيل، حيث تم تكليفها بإلقاء الضوء على إجراءات حكومة بولسونارو والجوانب التي أغفلتها خلال الوباء، بالإضافة إلى مراجعة بشأن سوء الاستغلال المحتمل للأموال الاتحادية في مكافحة الوباء.

وانهار النظام الصحي في مناطق كثيرة من البلاد في مارس وأبريل. وقلل بولسونارو من خطورة «كورونا» منذ بدء الوباء، رافضاً التدابير الوقائية والقيود، كما شكك في جدوى استخدام اللقاحات.

وحسب وكالة الأنباء الألمانية، من المتوقع أن تصوّت لجنة التحقيق المؤلفة من 11 عضواً على التقرير النهائي الأسبوع المقبل، وتحتاج الموافقة على التقرير لتصويت الأغلبية، ويمكن بعد ذلك إرساله إلى مؤسسات مثل مكتب المدعي العام. ويواجه الرئيس اتهامات بتأخير الحصول على لقاحات فيروس كورونا للبرازيل، التي سجّلت ثالث أعلى عدد للإصابات في العالم، بعد الولايات المتحدة والهند.

معاقبة المسؤولين

وحققت اللجنة في مسؤوليات الحكومة في النقص الخطير في الأوكسجين الذي تسبب في وفاة عشرات المرضى اختناقاً في ماناوس (شمال)، وخطاب بولسونارو المناهض للحجر الصحي وإنكاره لخطورة الوباء الذي اعتبره «إنفلونزا بسيطة».

وتواجه الحكومة انتقادات أيضاً بسبب تأخرها، وشكوكاً متعلقة بالفساد في شراء اللقاحات. ونظرت اللجنة أيضاً في العلاقة بين برازيليا ومراكز صحية خاصة متهمة بالترويج «لعلاج مبكر» ثبت علمياً عدم فعاليته. 

ويشتبه بأن واحداً من المستشفيات أجرى تجارب على هذا النوع من العلاج من دون علم مرضاه، وضغط على أطباء ليصفوا العقار لأشخاص عوملوا «كفئران تجارب». ولخص رئيس اللجنة عمر عزيز الثلاثاء الوضع قائلاً «من الواضح أن تقرير اللجنة هدفه معاقبة مسؤولين، وهم كثر. لا يمكننا تحمل عدم معاقبتهم».

تأثير سياسي

ومن المتوقع أن تكون مفاعيل هذه الاتهامات الخطيرة رمزية حالياً، لأن الرئيس الحالي يحظى بدعم في البرلمان يتيح له تجنب إطلاق إجراءات عزل ضده. وكذلك، يمكن للمدعي العام أوغوستو أراس، حليف بولسونارو، عرقلة توجيه اتهام للرئيس. وقال يول فرناندو بيزيرا رئيس الكتلة البرلمانية الحكومية في مجلس الشيوخ، إن «هذا التقرير سيبدو وكأنه حكم لكن الحكومة هادئة. يمكننا انتقاد موقف الرئيس، لكن لا نجرمه»، وفقاً لـ «فرانس برس».

ولا تملك اللجنة البرلمانية سلطة بدء ملاحقات قضائية، لكن تقريرها يمكن أن يكون له تأثير سياسي كبير، إذ تتوقع استطلاعات الرأي هزيمة بولسونارو أمام الرئيس اليساري السابق لولا دا سيلفا قبل عام واحد من الانتخابات الرئاسية.

هل يعود؟

هل يعود الرئيس السابق، دا سيلفا؟ لقد قال في وقت سابق هذا الشهر إنه سيعلن مطلع العام القادم قراره بشأن الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر 2022. ويتمتع لولا (75 عاماً) بشعبية مرتفعة وفق استطلاعات الرأي، متقدماً بفارق كبير على بولسونارو. وقال لولا في مؤتمر صحافي في برازيليا «دأبت على القول إنني لست مرشحاً لأنني سأحسم قراري بشأن ترشحي المحتمل مطلع العام المقبل». وأضاف «لم أتخذ قراراً بعد لأنني سأقرر عندما يحين الوقت لذلك، وسأتحدث إلى الجميع».

ويترقب كثيرون قرار لولا الذي أمضى الأسبوع في لقاءات مع قادة سياسيين في برازيليا. ولم يتمكن النقابي السابق من خوض الانتخابات السابقة في 2018، إذ إنه كان يمضي عقوبة بالسجن بتهم فساد، لكن بات بإمكانه الترشح مجدّداً بعدما ألغت المحكمة العليا في البرازيل في مارس الإدانات القضائية بحقه.

وأظهر أحدث استطلاعات الرأي بالبرازيل، في السابع من سبتمبر الماضي، حصول لولا الذي كان رئيساً بين 2003 و2010، على ما نسبته 44 بالمئة من نوايا التصويت، مقارنة بـ26 بالمائة فقط لبولسونارو.