العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    شي جين بينغ من حياة الكهف إلى رئاسة الصين

    في فبراير 2021، أعلن رئيس الصين شي جين بينغ، أن بلاده انتصرت بشكل كامل على الفقر المدقع، وأنها استثمرت في مكافحة الفقر على مدار السنوات الثماني الماضية ما يعادل نحو 246 مليار دولار. وقال بينغ خلال اجتماع مخصص لاستعراض إنجازات البلاد في مجال القضاء على الفقر إن 98.99 مليوناً من سكان الريف عبروا خط الفقر، وجرى انتشال 832 محافظة و128 ألف قرية من المناطق الفقيرة.

    كثير من الصور البعيدة حين نكبّرها تتّضح أكثر ونفهم منها بعض الظواهر غير المعروفة في التاريخ، منها قضية انضباط الشعب الصيني الأمر، الذي جعل من الصين بلداً عظيماً في كل شيء. فمن هو هذا الرئيس الذي حققت الصين في عهده أحد أهدافها الرئيسية، مثلما دخلت في عهده مرحلة التدخّل الواضح سياسياً في غير منطقة ساخنة في العالم، بعد حقبة طويلة من التركيز على التمدد الاقتصادي؟

    انضباط ومسؤولية

    في مكتب شي جين بينغ صور فوتوغرافية عدة، له ولوالديه والعائلة، منها صورة يظهر فيها مع والدته (تشي شين) يمشيان يداً بيد في حديقة. قبل، وبعد أن أصبح رئيساً، يتحدث شي عن أمه بتأثّر واضح، إذ تركت آثاراً عميقة في شخصيته، ويروي أنه ما زال يتذكر يوم كان في الخامسة أو السادسة من عمره حين حملته والدته على ظهرها إلى مكتبة لشراء كتيّب مصور عن قصص الجنرال (يوي فيه) المشهور في التاريخ الصيني بحبه للوطن والدفاع عنه.

    كانت الأم تتابع ابنها شي في كل خطوة من خطواته.. تشجّعه أو تنبّهه أو تحذّره. ذات مرة، قالت له وكل أبنائها: لا تجعلوا الأمور الصغيرة في البيت تؤثر على أعمالكم. الوالد الذي كان أحد أبطال الثورة أضاف مثنياً على كلام زوجته: حتى الأمور الكبيرة يجب ألا تؤثر على الأعمال!

    يستذكر شي كذلك أن الأم حافظت على أسلوب حياة بسيط، فعندما كان أطفالها في المدرسة، لم تطلب مربية في المنزل، ولم تفكّر في تغيير وظيفتها باستخدام صلاحية زوجها. وحتى في تلك الفترة الصعبة، أصرّت على دفع رسوم عضويتها في الحزب كل شهر.

    عندما ذهب الفتى إلى قرية ليانغ في شمال مقاطعة شنشي والتحق بفرقة إنتاجية زراعية واستوطن فيها، قامت والدته بخياطة كيس يدوي له، وطرّزت عليه باللون الأحمر «قلب الأم». وفي فترة تواجده في الريف، شكّل شي صداقة عميقة مع أهل القرية طيلة سبع سنوات، حيث كان ينام في كهف.

    عندما سمعت الأم أن ابنها لا يتمكن من العودة إلى المنزل في العطلة بسبب العمل، قالت: «طالما أنك تعمل بشكل جيد، فهو البر بالوالدين». وعندما أصبح شي رئيساً لمقاطعة، كتبت الأم إليه لتنبّهه بضرورة أن يتشدّد مع نفسه أكثر: «إذا كان الشخص فاسداً وغير منضبط، سيفقد كرامته. علينا أن نتذكر أن النزاهة نعمة والجشع لعنة، ونتبنى مفاهيم سليمة للسلطة والمكانة والمصالح، ونبقى رابطي الجأش ومنضبطين ونزهاء».. هكذا قالت له، وهكذا يروي عنها.

    حياة بسيطة

    ليس لكثير من قادة العالم وبخاصة في القرن الـ 21 تجربة الإقامة في كهف، لكن شي الذي ولد عام 1953، كان والده أحد أبطال الثورة وواحداً من أولئك الذين تعرّضوا لما يسمى «التطهير» في الستينات. وعندما كان شي في سن الثالثة عشرة أغلقت المدارس في بكين، وعاش في العاصمة وحيداً دون أهله، ثم أُرسل إلى الريف ليعمل مع المزارعين ويعيش بينهم ويكتسب قوة وخبرة في الحياة، وكانت حياته بسيطة جداً ما أكسبه شعبية واسعة في أوساط الفلاحين والبسطاء.

    وفي حديث صحافي قال: «كنت في الرابعة عشرة من عمري عندما سألني الحرس الأحمر: هل تعرف مدى خطورة جرائمك؟ فأجبت: يمكنكم تقدير ذلك.. هل تكفي لإعدامي؟ فردوا: يمكننا إعدامك مئات المرات. فأجبت: لا يوجد فرق بين مئات المرات ومرة واحدة»، وفقاً لما نقلت «بي بي سي» في تقرير عنه.

    وعندما بلغ الخامسة عشرة عاماً كان أحد الذين تم إرسالهم إلى الريف للعمل في الزراعة بهدف إعادة التثقيف، وعمل في إحدى القرى النائية الفقيرة لمدة سبع سنوات حيث عاش في كهف. تلك التجربة شكّلت أحد أهم فصول سيرته الشخصية في المراجع الحكومية، فقد عمل في ظل ظروف قاسية، بلا كهرباء ولا مواصلات ولا أدوات ميكانيكية وعندما كان يعود لكهفه للنوم كان يقرأ على ضوء مصباح الكيروسين. يقول: «عندما انتهت هذه التجربة وأنا في الثانية والعشرين من عمري أصبحت أهدافي في الحياة واضحة وصرت مليئاً بالثقة».

    بداية ومسيرة

    ولد شي جين بينغ في 15 يونيو 1953، وينتمي إلى قومية هان من فوبينغ بمقاطعة شنشي في شمال غربي الصين. درس في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة تسينج التي تخرج منها أبرز قادة الصين ونخبتها، وتخرج بإجازة في الهندسة الكيميائية. وهو حاصل كذلك على درجة الدكتوراه في القانون بين 1998 و2002.

    انضم شي للحزب الشيوعي الصيني في يناير 1974، وسرعان ما تولى منصب أمين فرع الحزب بمحافظة يانتشوان. بين عامي 1979 و1985 شغل منصب سكرتير مدني بالمكتب العام في مجلس الدولة وسكرتير عسكري للمكتب العام التابع للجنة العسكرية المركزية للحزب، ثم نائباً لأمين لجنة الحزب بمحافظة تشنغدينغ بمقاطعة خبي شمال الصين، فأميناً للجنة ومفوضاً سياسياً أوّل في الشؤون العسكرية في المحافظة نفسها.

    في عام 1985 حصل شي على عضوية اللجنة الدائمة للحزب بمدينة شيامن في مقاطعة فوجيان جنوب شرقي الصين ونائباً لعمدة المدينة، ثم عضوية اللجنة الدائمة للحزب في المقاطعة في 1993، حتى صار نائباً لأمين لجنة الحزب في المقاطعة بين عامي 1995 و2002.

    في مقاطعة نينجدي عمل شي رئيساً للحزب ونجح بالقيام بمشاريع خدمية حسَّن من خلالها المواصلات العامة والطرق، ليصبح بعدها قائد الحزب في عاصمة المقاطعة فوزهو بين عامي 1998 و2000 وينجح في تعزيز وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى المقاطعة، كما حصل على سمعة طيبة كرجل سياسي عملي ليتم تعيينه حاكماً للمقاطعة.

    صعود مستمر

    انتقل في 2002 لمقاطعة جيجيانغ شرقي الصين وعمل كنائب أمين للجنة الحزب هناك، ثم أميناً للجنة الحزب ورئيساً للجنة الدائمة لمجلس نواب الشعب في المقاطعة في 2003. وخلال فترته تضاعفت الاستثمارات الصناعية الخاصة أربع مرات في تلك المقاطعة، إذ إن نزاهته ونجاحه في إدارة مهامه والمقاطعات التي أُوكلت إليه جعلت القيادة تحتاره ليكون سكرتيراً عاماً في مدينة شانغهاي عام 2007، حيث عمل أميناً للجنة الحزب والسكرتير الأول للجنة الحزب لقوات الحرس في بلدية المدينة، ثم أصبح عضواً في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي في الحزب، وعيّن رئيساً لمدرسة الحزب العسكرية. وفي 15 مارس 2008، انتخبه المجلس الوطني الـ11 لنواب الشعب الصيني في دورته الأولى نائباً لرئيس جمهورية الصين الشعبية.

    في عام 2012، أصبح شي بينغ السكرتير العام للجنة المركزية للحزب. وخلال خطابه الأول تحدّث شي عن رغبته في تطوير البلاد وتحسين مستوى التعليم وضمان الوظائف للشعب ورفع مستوى الدخل للفرد ليضمن للمواطنين تقاعداً أفضل وضماناً صحياً، وأطلق على تلك الرؤية «الحلم الصيني».

    وفي 2013، عقد المجلس الوطني الـ12 لنواب المجلس الوطني دورته الأولى في 14 مارس بالعاصمة بكين بحضور 3000 مندوب، وانتخب شي جين بينغ رئيساً لجمهورية الصين الشعبية خلفاً لهو جينتاو.

    بدأ شي فترة حكمه بحملة كبيرة على مسؤولي الدولة الفاسدين، حيث اعتقل رئيس جهاز الأمن السابق وحاكم العديد من المسؤولين، بينما عمل على تنشيط الاقتصاد الصيني من خلال تسهيل عملية التجارة مع العالم، وعزز دور البنوك الخاصة في البلاد، وسمح للشركات الأجنبية بتداول الأسهم مباشرة في سوق شانغهاي للأسهم. كما أنهى شي بينغ سياسة الطفل الواحد التي كان معمولاً بها قبل 2015، ليسمح بذلك للعائلات الصينية بإنجاب أكثر من طفل.

    حلم الصين

    وطرح الزعيم الصيني رؤيته عن مستقبل الصين والتي أطلق عليها اسم «حلم الصين» في إطار مشروع بعنوان «إعادة بعث الأمة الصينية» ونجح في إجراء إصلاح اقتصادي أسهم في الحدّ من تراجع النمو الاقتصادي وتحجيم ملكية الدولة للصناعة ومكافحة التلوث وتنفيذ مشروع النقل البري العملاق «طريق الحرير».

    وخلال عهده، فرضت الصين سيطرتها على بحر الصين الجنوبي رغم المعارضة الدولية، وعززت نفوذها على الصعيد العالمي عن طريق ضخ مليارات الدولارات في القارة الأفريقية والآسيوية.

    وشملت حملة محاربة الفساد التي قادها في الداخل والتي اطلق عليها اسم «النمور والذباب» أكثر من مليون شخص من كبار وصغار مسؤولي الحزب.

    ويعد تعبير «العصر الجديد» الأسلوب الذي تستخدمه القيادة الصينية للإشارة إلى بدء المرحلة الثالثة من التاريخ المعاصر للبلاد. فالمرحلة الأولى التي تزعمها ماو كان هدفها توحيد البلاد عقب حرب أهلية طاحنة، أما المرحلة الثانية التي قادها دنغ فركزت على إثراء البلاد. وتتسم المرحلة الثالثة التي يقودها الرئيس الحالي بتعزيز الوحدة والثراء وانعدام الفقر وجعل الصين أكثر انضباطاً داخلياً ونفوذاً خارجياً.

    طباعة Email