ينظر كثيرون إلى رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي باعتباره قائداً استطاع تغيير مسار الهند بشكل شامل، حيث أشادت صحيفة فاينانشيال تايمز، كبرى الصحف المالية في العالم بعقد من التنمية في ولاية غوجارات تحت قيادة مودي، وأبرزته مجلة «التايم» الشهيرة على صفحة الغلاف الخاصة بها. ووصفه الكونغرس الأمريكي بأنه «ملك الحكم». وذكرت مجلة تايمز، «مودي يعني الأعمال» بعدما شهدت الهند نمواً غير مسبوق في العديد من المجالات على يديه.
أواخر العام 2016، أصبح ناريندرا مودي «رجل العام»، باختيار قُراء مجلة التايم الأمريكية، متخطيّاً سياسيين كباراً وشخصيات شهيرة، بما في ذلك الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج.
قبل ذلك، في سبتمبر 2014، أصدر الكاتب الأمريكي اندي مارينو، كتاباً عن سيرة حياة رئيس وزراء الهند، تحت عنوان «ناريندرا مودي: سيرة حياة سياسية». في الفترة الأولى من حياته، غادر مودي منزل العائلة في بلدة فادناغار، عندما كان في السابعة عشرة من عمره.
ووفقاً لتوصيف مارينو، فإن مودي – بعد معاناة في فترة الشباب- ولج عالم السياسة وترقّى في المناصب وصولاً إلى زعامة الحزب القومي الهندوسي. لكن خلال الفترة التي كان فيها على رأس ولاية «غوجارات» وقعت أحداث العنف الدموي الطائفي عام 2002، وذهب ضحيتها 1000 شخص، نتاجاً لـ «إرث عقود طويلة من تأجيج المشاعر الطائفية المريرة ومن تاريخ مشرّب بالحقد».
يقول المؤلف إن مودي أراد «الاستقالة» بعد تلك الأحداث لكنه اصطدم برفض حزبه تلك الاستقالة. وينقل عنه قوله: «لقد أردت التخلّي عن منصبي ـ في رئاسة الحزب»، ويضيف: «لكن الحزب لم يكن مستعداً لتركي أرحل. ويؤكد المؤلف أن مودي «فعل أقصى ما يستطيع من أجل وقف العنف ».
بائع الشاي
بعد ثلاث سنوات من حصول الهند على الاستقلال، وبالتحديد في 17 سبتمبر 1950، ولد ناريندرا مودي في مدينة مهسانا مقاطعة جوجارات وسط عائلة كان شعارها الكفاح من أجل تلبية احتياجاتها حيث كان والده يعمل بائع شاي في محطة القطار المحلي.
دخل ناريندرا حياته العملية مبكراً، إذ كان وهو في الثامنة من عمره يساعد والده في بيع الشاي في كشك بمحطة السكك الحديدية المحلية في فادناغار بعد عودته من المدرسة. ثم أدار في وقت لاحق كشكاً للشاي مع أخيه بالقرب من محطة للحافلات. أكمل مودي تعليمه الثانوي العالي في فادناغار عام 1967، وقد وصفه أحد معلميه بأنه كان طالباً متوسطاً ومناقشاً نبيهاً، وكان لديه اهتمام بالمسرح وموهبة مبكرة من البلاغة في المناظرات، الأمر الذي ترك أثراً على صورته وشخصيته السياسية فيما بعد.
كان مودي لم يكمل عامه التاسع عندما بدأ أولى خطواته السياسية، حيث تعرف على المنظمة القومية الطوعية راشتريا سواياميسفاك سانج (آر إس إس) التي تأسست عام 1925 على يد الناشط كيشاف باليرم هيدجوار. وفي تلك البدايات، التقى مودي لاكشمانراو إنامدار الرجل الذي بات معروفاً بعبارة معلمه السياسي.
ومن المواقف التي لا تنسى في طفولته أنه عندما تسبب فيضان هائل في نهر تابي في تخريب مدينته، أقام الصبي ناريندرا كشك طعام مع أصدقائه وتبرعوا بالعائدات لأعمال الإغاثة. .كانت مبادرته تحمل ملامح المسؤولية المبكرة في الخدمة العامة
الفرصة الذهبية
حصل مودي على فرصته الذهبية أو كما يطلق عليها الهدية الكبرى، عندما تنحى كيشوباي باتل عن منصبه كرئيس وزراء في ولاية غوجارات في أعقاب زلزال يناير 2001 في مدينة كوتشي الذي أودى بحياة الآلاف، ومن ثم تم اختيار مودي بعد أن أصبح بديل باتل رئيس وزراء ولاية غوجارات وفور توليه المنصب أظهرت غوجارات نمواً شاملاً يشمل الزراعة والتصنيع والخدمات.
وخلال توليه منصب رئيس وزراء ولاية غوجارات لمدة 13 سنة، حاز مودي على تقدير رجال الأعمال باعتباره داعماً للعمل التجاري حتى انتقاله إلى دلهي في عام 2014. وكان له الفضل في جعل الولاية قوة اقتصادية، على الرغم من أن مدى نجاح ما يسمى بنموذج مودي الاقتصادي موضع نقاش حاد بين الاقتصاديين.
ويقول مسؤول بارز في حزب بهاراتيا إن ولاية غوجارات فخورة به، و«هو أكثر شعبية من حزب بهاراتيا جاناتا هنا، إنه ظاهرة، لقد كان أنجح رئيس وزراء في ولاية غوجارات».
تولى مودي زعامة حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم في عام 2013، وتم اختياره لرئاسة حملة الحزب في الانتخابات العامة المقرر للعام التالي 2014. في البداية، كانت هناك شكوك حول قدرة مودي على مضاهاة «سحر» أتال بيهاري فاجبايي في جذب الحلفاء والأنصار والأنظار. لكن حزب بهاراتيا جاناتا وضع كل «البيض» في سلة مودي، الأمر الذي يعتبره البعض في حينه مقامرة. لكن تلك المقامرة قلبت اللعبة لصالح مودي واجتذبت المزيد من الحلفاء قبل الاستطلاع، بما في ذلك أولئك الذين غادروا التجمع الوطني الديمقراطي وألقوا باللوم عليه في أعمال الشغب عام 2002.
إنجازات البداية
وينسب خبراء لمودي تأسيس مجمعات مالية وتكنولوجية في ولاية غوجارات، إضافة إلى إنشاء مشاريع الحفاظ على المياه الجوفية والسدود، وارتفاع معدل النمو في إنتاج القطن واستخدامه للأراضي شبه القاحلة ضمن مرحلة نمو زراعي في الولاية بمعدل 9.6 في المائة من 2001 إلى 2007. وسجلت غوجارات في الفترة من 2001 إلى 2010 معدل نمو زراعي بنسبة 10.97 في المائة - أعلى من أي ولاية أخرى.
وعملت حكومة مودي على توصيل الكهرباء إلى كل قرية في الولاية. وقامت بتغيير نظام الطاقة في الولاية بشكل كبير، ما أثر بشكل كبير على المزارع.
وتحت حكم مودي، تصدرت ولاية غوجارات تصنيف البنك الدولي من حيث «سهولة ممارسة الأعمال التجارية» بين الولايات الهندية لمدة عامين متتاليين. وفي عام 2013، احتلت ولاية غوجارات المرتبة الأولى بين الولايات الهندية من حيث «الحرية الاقتصادية»، وكان الحصول على الإعفاءات الضريبية للشركات أسهل في ولاية غوجارات منه في الولايات الأخرى، كما كان الحال بالنسبة للأرض. جذابة للاستثمار لإنشاء مناطق اقتصادية خاصة.
رئيساً للحكومة
ونجح مودي في انتخابات 2014 رئيساً لوزراء الهند باكتساح. وخلال ما يقرب من 5 سنوات استطاع أن يحدث نقلة نوعية في البلاد سواء على المستوى الاقتصادي والريادة التكنولوجية، أو فيما يتعلق بالشأن الخارجي.
وكان من المتوقع أن يواجه مودي في انتخابات 2019 منافسة شديدة بسبب المشاكل الكبيرة التي تواجهها البلاد، حيث ارتفع معدل البطالة إلى مستوى قياسي، وانخفضت مداخيل المزارعين وانخفض الإنتاج الصناعي. تأثرت نسبة كبيرة من الهنود بعملية استبدال العملة من فئة 500 و1000 روبية والتي كانت تهدف إلى الكشف عن كبار الفاسدين الذين يحتفظون بمبالغ نقدية ضخمة خارج البنوك. لكنه حقق نصراً كبيراً، متجاوزاً ما حققه عام 2014. وأشارت النتائج حينها إلى أن الناخبين لم يحملوا مودي مسؤولية تردي الأوضاع، بل إن نسبة لا بأس بها من فقراء الهند يرون فيه المخلّص لهم من أوضاعهم الصعبة.
حينما تولى السلطة، في انتخابات 2014، كان الاقتصاد الهندي في حالة يرثى لها، بسبب الفساد والبيروقراطية في أجهزة الحكومة المركزية. قرر مودي في نوفمبر 2016، مواجهة الوضع الصعب بسحب كل الأوراق النقدية من فئة 500 و1000 روبية من التداول، وضخ عملة جديدة من فئتي 500 و2000 روبية، في إجراء هدف للقضاء على السوق السوداء، والقضاء على الخزينة النقدية التي تتغذى عليها الجماعات الإرهابية والمافيات.
مؤسسات دولية مختلفة ترى أن الهند تحت قيادة مودي، تمكنت من تحقيق تطور اقتصادي، وباتت ضمن أقوى اقتصادات العالم. ففي بداية ولايته الثانية، عام 2019، حقق ناتجها الكلي المحلي (GDP) زيادة بقيمة تريليون دولار، عما كان عليه بداية ولايته الأولى سنة 2014، علماً بأن الهند تخطط للوصول إلى 5 تريليونات دولار بحلول عام 2025، كي تحل محل ألمانيا، كرابع أقوى اقتصاد في العالم.
في ظل حكومة مودي، ارتفع معدل الدخل الفردي من 1600 إلى 2200 دولار، أي بزيادة 35%. ونجحت حكومته في استقطاب الاستثمارات الأجنبية، بعد أن أزالت الكثير من العوائق في قطاعي الصناعة والطيران، حيث بلغت هذه الاستثمارات 45 مليار دولار سنة 2018، أي ضعف الرقم في عام 2014، مع الاعتراف بأنها تباطأت بنسبة 5% في الفترة 2017 ــ 2018، بسبب تدخل الدولة لكبح جماح المستثمرين الأجانب في قطاع التجزئة الإلكتروني.
جائحة كورونا
في هذه المرحلة، تشهد الهند أسوأ حالة طوارئ صحية في تاريخها، حيث باتت النقطة الساخنة عالمياً لتفشي فيروس كورونا، وسجلت أرقاماً قياسية لأكبر عدد من الإصابات اليومية في العالم. وظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور للمستشفيات التي تعج بالمرضى ومحتضرين، فيما الأطقم الطبية والمواطنون على حد سواء، يطلقون نداءات استغاثة يائسة للحصول على الأكسجين. وفرض الإغلاق في نيودلهي ومومباي، العاصمتين السياسية والمالية للبلاد.
هذا الوضع شكل تحدياً ليس بالبسيط بالنسبة لمودي، كما لحكومات كثيرة في وضع مشابه.
ويقول محللون هنود إنه في الاستطلاع الأخير في يناير الماضي، أثناء الفترة التي شهدت حالة من الهدوء من حيث تسجيل الإصابات المرتبطة بالجائحة، بلغت نسبة شعبيته 74%، لتتراجع قليلاً عن 78% التي سجلها في أغسطس الماضي، ولكنها ظلت مرتفعة بصورة مثيرة للإعجاب. ولم يتضح إذا كانت الجائحة ستؤثر على شعبيته.
من ناحية أخرى، يقول نيكيتا سود، وهو أستاذ التنمية الدولية في جامعة أكسفورد، والذي نشر كتاباً عن القومية الهندوسية: «مما لا شك فيه أن هناك حالة من الغضب الذي يتدفق بسبب سوء إدارة أزمة كورونا في الهند... والسؤال هو، هل هذا الغضب سيتفوق على الكراهية التي تزرع بصورة ممنهجة في مجتمعنا منذ سنوات؟ وهل ستستمر الذاكرة العامة لفترة كافية حتى يظهر الغضب المرتبط بالجائحة أثناء الانتخابات؟».
إنها أسئلة لا يسهل الإجابة عنها، قبل الانتخابات نفسها.
