جورج فلويد إلى الواجهة بمحاكمة غير مسبوقة في أمريكا

بعد تسعة أشهر على مقتل جورج فلويد، يمثل الشرطي المتهم بقتل الرجل الأسود أمام القضاء غداً الاثنين في مينيابوليس في محاكمة ستكون استثنائية على أكثر من صعيد. وبين نقل الجلسات في بث مباشر وفرض تدابير أمنية مشددة ومشاركة مدعين عامين من الأبرز في مجالهم، ستكون محاكمة ديريك شوفين بمستوى الرهانات المحيطة بهذه «القضية الجنائية العالية الرمزية، من الأهم في التاريخ الأمريكي»، بحسب نيل كاتيال الذي سيتولى توجيه الاتهام إلى الشرطي.

ففي 25 مايو، ضغط الشرطي الأبيض بركبته على عنق فلويد الممدّد أرضاً على بطنه مكبّل اليدين، على مدى تسع دقائق كاملة لم يأبه خلالها لتوسّل الأربعيني الأسود ونداءاته المتكررة «لا يمكنني التنفّس»، وواصل الضغط حتى بعدما دخل في غيبوبة.

وأثار فيديو وفاة فلويد الذي صورته فتاة كانت تمر في الشارع وأعيد بثّه على الإنترنت، صدمة تردّدت أصداؤها من نيويورك إلى سياتل، وكان لها وقع كذلك في عواصم من العالم مثل لندن وباريس وصولاً حتى إلى سيدني، حيث نزلت حشود غاضبة إلى الشوارع للمطالبة بالعدالة هاتفة «بلاك لايفز ماتر» وهو اسم حركة «حياة السود تهمّ» المناهضة للعنصرية.

وتم صرف الشرطيين الضالعين في القضية على الفور، لكن عدة أيام انقضت قبل توجيه التهمة رسمياً إلى ديريك شوفين بـ«القتل» وإلى زملائه الثلاثة بـ«التواطؤ». وفي هذه الأثناء، كانت المدن الأمريكية اشتعلت وتم إحراق مركز للشرطة في مينيابوليس.

وإن كان الهدوء عاد منذ ذلك الحين، إلا أن الأجواء لا تزال في غاية الحساسية في وقت تستعد البلاد لمتابعة محاكمة ديريك شوفن.

حدث نادر 

وكان من المقرر أن تجري محاكمة الشرطي السابق الذي أطلق سراحه بكفالة في الخريف، مع زملائه ألكسندر كوينغ وتوماس لاين وتو تاو. لكن قاضياً أرجأ محاكمة عناصر الشرطة الثلاثة إلى الصيف تجنباً لاكتظاظ قاعة المحكمة بالحضور وسط أزمة وباء كورونا.

وبالتالي، سيخصص قضاء مينيسوتا المحاكمة حصراً للتهم الفادحة الموجهة إلى ديريك شوفين البالغ 44 عاماً، قضى 19 منها في صفوف شرطة مينيابوليس.

وقال الشرطي السابق آشلي هايبرغر الذي بات يعمل في التدريب وتقديم النصائح «توجيه التهمة إلى شرطي باستخدام القوة المفرطة هو بحد ذاته أمر نادر في الولايات المتحدة، كم بالأحرى توجيه تهمة القتل إليه». أما إدانة شرطيين بالقتل، فأمر نادر جداً إذ يبدي المحلفون بحسبه «ميلاً إلى تفسير الشك لصالحهم».

لكن الوقائع هذه المرّة فادحة إلى حد لم يرتفع صوت واحد في الشرطة دعماً للمتهم، وهو أمر نادراً ما حصل من قبل، بحسب هايبرغر.

غير أن إدانة شوفين تتطلب إجماع المحلفين الـ12. وإذا ما أبدى أي منهم رأياً مغايراً، عندها تخلص المحاكمة إلى رد الدعوى. وسيناريو رد الدعوى هذا أو تبرئة المتهم سيحرك حتماً غضب الناشطين ضد العنصرية.

ولتفادي وقوع أي تجاوزات، جندت السلطات آلاف عناصر الشرطة والحرس الوطني، وتحوّل محيط المحكمة إلى ما يشبه معسكراً محصناً، تحيط به أسلاك شائكة وكتل أسمنتية.

فينتانيل 

تبدأ المحاكمة باختيار أعضاء هيئة المحلفين وهي مهمة ستكون في غاية الصعوبة، إذ يبحث الادعاء والدفاع عن أكبر قدر ممكن من الحياد لديهم.

«ما رأيك في حركة بلاك لايفز ماتر؟ هل سبق أن تم توقيفك؟ كم مرة شاهدت فيديو المأساة؟» تلك بعض الأسئلة من ضمن قائمة طويلة وجهت إلى المرشحين للمشاركة في هيئة المحلفين والذين سيجري استجوابهم مطولاً على مدى ثلاثة أسابيع. وتبدأ المداولات في وقائع القضية في 29 مارس. وسيدفع ديريك شوفين ببراءته. وكتب محاميه إريك نيلسون قبل المحاكمة أنه «قام بما تم تدريبه للقيام به تماماً» عند توقيف مشتبه به يقاوم الاعتقال، وهو يدّعي أن فلويد توفي جراء جرعة زائدة من مسكّن فينتانيل.

وعثر طبيب شرعي على آثار لهذه المادة المخدرة الأفيونية في جثة فلويد، لكنه اعتبر أن الوفاة كانت نتيجة «الضغط الممارس على عنقه».

وندد بن كرامب محامي عائلة فلويد السبت بمحاولة للتمويه، وقال «نتوقع أن يحاولوا التغطية على الفيديو من خلال اتهام جورج بكل الشرور».

أما الاتهام، فسيدعي أن فلويد الذي يشتبه بأنه حاول الدفع مستخدماً ورقة مالية مزورة من فئة عشرين دولاراً، لم يكن يشكل أي خطر. وهو يعتزم طلب عقوبة فادحة بحق شوفين الذي «تعمد» تعذيب الموقوف.

ولإثبات أن الجريمة تندرج في سياق «نمط عمل» يتبعه الشرطي، سوف يستدعي الاتهام امرأة سوداء تعرضت لمعاملة عنيفة منه عام 2017، للإدلاء بشهادتها. كما ستتخلل المحاكمة لحظات مؤثرة، منها إفادة الفتاة التي صورت الحادث. ومن المتوقع أن ينسحب المحلفون لإجراء مداولاتهم في نهاية أبريل.

طباعة Email