أكّد خبراء استراتيجيون عرب وأجانب، أن إيران سعت لتطوير قدراتها للوصول إلى العتَبة النووية، واستغلت جولات التفاوض في فيينا لتحقيق هذا الهدف. وقالت رئيسة مركز الإمارات للسياسات، ابتسام الكتبي، خلال الندوة التي نظمها المركز عبر الإنترنت بعنوان: «إيقاف إيران النووية .. خيارات القوى الإقليمية والدولية»، إنّ إيران اقتربت من العتبة النووية مع إعلانها أبريل الماضي عن تخصيب اليورانيوم بنسبة نقاء 60 في المئة، الأمر الذي يمثّل خطوة كبيرة نحو إنتاج معدن اليورانيوم الذي يُستخدم في صنع الأسلحة، مُقارنة بنسبة تخصيب 20 في المئة التي بلغتها في السابق.
ولفتت الكتبي، إلى أنّه يمكن وضع تلك الخطوة التصعيدية في إطار الجهود الإيرانية لجني مزيد من التنازلات من الغرب خلال مفاوضات العودة إلى الاتفاق النووي، إلا أنّ معطيات أخرى تفيد بأن الأمر يتجاوز اعتبارات لعبة التفاوض مع الغرب، ويمكن وضعه في إطار الأطماع الإيرانية في التحرك نحو العتبة النووية، ما أحيا التكهنات بشأن ما تبقى من وقت لحصول إيران على القنبلة النووية.

بدوره، ذكر الجنرال متقاعد يوسف كوبرفاسر، مدير الشؤون الإقليمية في مركز القدس للشؤون العامة، أنّ إيران هددت بالوصول بالتخصيب إلى نسبة 90 في المئة اللازمة لصنع القنبلة النووية، وأنها أحرزت الكثير من التقدم لتخطي «العتبة النووية» التي تعني أن ما يفصل إيران عن امتلاك السلاح النووي هو مجرد قرار سياسي وبضعة أشهر. وأوضح كوبرفاسر، أنّ التهديد الإيراني ليس سوى مناورة سياسية للضغط على المفاوضات في فيينا، لاسيّما وأنّ الإيرانيين يُدركون أنّ الغرب لن يتسامح معهم حال حاولوا تخطي العتبة النووية.
إلى ذلك، أشارت كرستن فونتنروز، مديرة مبادرة سكوكرفت الأمنية للشرق الأوسط في مجلس الأطلسي بواشنطن، إلى أنّ إيران تلوح بأنها اقتربت من العتبة النووية للضغط على الأمريكيين والأوروبيين، ولتحقيق هدف آخر مهم وهو تخفيف الضغط الغربي على أنشطة إيران الأخرى الخبيثة، مثل البرنامج الصاروخي والطائرات المسيرة، فضلاً عن دعم الجماعات المسلحة في الإقليم.
وأضافت الباحثة الأمريكية، أنّ النظام الإيراني يسعى لرفع العقوبات الأمريكية، لذلك يرغب في استعادة خطة العمل المشترك الشاملة لعام 2015 بلا أي تعديل ودون أي تنازلات جديدة، ما جعله يهدّد بالوصول إلى العتبة النووية، ووقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فضلاً عن قيامه باستهداف القواعد والمنشآت الأمريكية عبر وكلائه في العراق.
3 مسارات

من جهته، قال السفير دوري غولد، رئيس مركز القدس للشؤون العامة، والمدير العام الأسبق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، إنّ إيران تسعى إلى أن تكون قوة عظمى في المنطقة، ما يجعلها تتحرك في ثلاثة مسارات متوازية تشمل امتلاك القدرات النووية، والقدرات الصاروخية، ودعم الميليشيات في المنطقة. وانتقد غولد، الدول الأوروبية والولايات المتحدة التي تُولي أهمية للبرنامج النووي الإيراني أكثر من الأنشطة الإقليمية الهدامة لإيران، مذكّراً بما حدث بعد توقيع الاتفاق النووي عام 2015، إذ استغلت إيران حينها الاتفاق لتوسيع نفوذها ودعم الحرب بالوكالة عن طريق مدّ الميليشيات الحليفة لها بالصواريخ والطائرات المسيرة، الأمر الذي زاد عدم الاستقرار في المنطقة.
ولفت السفير غولد، إلى الطائرات المسيرة الإيرانية، وكيف أنها أصبحت جزءاً من المشهد الاستراتيجي الجديد، وتحولت إلى تهديد خطير لأمن دول المنطقة، مشيراً إلى أنّ إسرائيل طورت بالتعاون مع الولايات المتحدة قدرات دفاعية بالليزر لمواجهة هذه الأسلحة الجديدة.
استغلال

في السياق، أشار الجنرال أودي ديكل، الباحث الأول في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، إلى أنّ إيران استغلت جولات التفاوض الست في فيينا لتعزيز قدراتها النووية، ولم تكن في عجلة من أمرها للعودة إلى الاتفاق النووي وأوضح أنّ من مصلحة إيران الوقوف عند العتبة النووية دون امتلاك السلاح النووي، لابتزاز المجتمعين الدولي والإقليمي، ومواصلة أنشطتها الخبيثة في كل الشرق الأوسط.
كما يرى مارك فيناود، رئيس قسم انتشار الأسلحة في مركز جنيف للسياسات الأمنية، أنّ إيران مازالت بعيدة عن تخطي العتبة النووية، موضحاً أنها تدرك أن من مصلحتها عدم تخطي هذه العتبة. وأكد أن خطة العمل المشترك الشاملة في صيغتها الراهنة مازالت صالحة لمنع إيران من تطوير قدرات نووية تتجاوز الأغراض السلمية.
وفيما يتعلق بالخيارات الدولية والإقليمية لمواجهة إيران النووية، شدد المشاركون على أهمية أن يضطلع المجتمع الدولي بمسؤوليته فيما يخص عدم الانتشار النووي، كما أن هناك مسؤولية تتحملها الولايات المتحدة التي تعهدت بمنع امتلاك إيران السلاح النووي، وأخيراً يأتي دور التعاون الإقليمي بين كل الدول المتضررة من طموحات إيران النووية، وفي مقدمتها إسرائيل ودول الخليج العربي.
مسار تفاوض

وفي الجلسة الثانية من الندوة التي ركزت على مناقشة «خيارات العرب في مواجهة طموحات غيران النووية»، أشار الدكتور محمد الزغول، مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، إلى أن المسار العام لا يشي بأن هناك إمكانية بالفعل لوقف البرنامج النووي الإيراني إلا عبر التفاوض، وهذا المسار يتكفَّل به المجتمع الدولي، في حين أن الأطراف الإقليمية مُغيَّبة عن هذا المسار بالرغم من أنها المتضرر الأكبر.

كما ذكر د. إبراهيم النحاس، عضو مجلس الشورى السعودي، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الملك سعود، أن حكومة الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي ستسعى إلى العودة إلى الاتفاق النووي، لأن الداخل الإيراني يعاني كثيراً بسبب العقوبات ويريد النظام التعافي الاقتصادي، لكن يظل المحك هو ما سيفعله النظام الإيراني لكبح تدخلاته ولطمأنة جيرانه.

وأكد د. ظافر العجمي، المحلل السياسي الكويتي، أنّ الموقف الخليجي الموحد سيبقى هو خط دفاعنا الأول في وجه سياسات الهيمنة الإيرانية.
