لم يكن المغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، ممن يجلسون في مناصبهم، ويكتفون بمهام الاختصاص، بل ترك بصمات في العديد من المجالات العلمية والإنسانية، خلال مسيرة حافلة بالعمل المخلص والعطاء لأبناء شعبه وأمته العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء بلا حدود ودون ضجيج، بل من خلال رسالة طموحة، وخطط واثقة لإرساء العمل الخيري والمشاريع التنموية المجردة من اعتبارات المصلحة أو الدعاية، ما جعل منها أحد روافد العمل الخيري لدولة الإمارات محلياً وإقليمياً ودولياً.
كان الراحل الكبير، الشيخ حمدان بن راشد، مهتماً بالأعمال الإنسانية، وشغوفاً بالثقافة والآداب والتطورات العلمية، وحريصاً على التنمية البشرية المستدامة. ترأس المغفور له، بإذن الله، العديد من الهيئات والمؤسسات رفيعة المستوى والتي تلعب دوراً حيوياً في الدولة وخارجها، وكان راعياً لـ«هيئة آل مكتوم الخيرية»، و«مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز»، و«جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية»، وراعياً فخرياً لـ«مركز الدراسات العربية والإسلامية» في «جامعة أستراليا الوطنية»، ولم يكن منحه لقب «الشخصية الحضارية لعام 2016» من جانب الجمعية العربية للحضارة والفنون الإسلامية، وتكريمه من «قمة رئاسة الدول الأفريقية» في أديس أبابا، على سبيل المجاملة، بل كان تقديراً لجهوده في دعم التعليم وبرامج الإغاثة الإنسانية في أكثر من 26 دولة أفريقية. نال المغفور له، بإذن الله، الشيخ حمدان بن راشد «جائزة عرب تكنولوجيا» للإنجاز الحياتي عام 2005، واختاره «الاتحاد الدولي للمستشفيات» كونه أفضل شخصية عالمية في مجالات الصحة والتعليم والرياضة في العام ذاته، كما نال «جائزة الشخصية الإنسانية» من «مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة» في دبي عام 2000.

أيادي العطاء
امتدت أيادي العطاء للمغفور له الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم إلى المحتاجين في المناطق الفقيرة، الأمر الذي دفع القمة السنوية للاتحاد الأفريقي عام 2009، بحضور ما يقارب خمسين رئيس دولة، لتخصيص جلسة لتكريمه والاحتفاء بأياديه البيضاء، وسجله الإنساني الحافل، بعد أن فتحت مبادراته نوافذ الأمل لمئات آلاف الفقراء. دأب الشيخ حمدان بن راشد، رحمه الله، على تقديم الدعم للمسلمين الجدد والجاليات المسلمة، في أوروبا وأمريكا وأستراليا، من خلال إعمار المساجد، وتوفير المصاحف والكتب والدورات التثقيفية والأئمة والخطباء، وتأسيس مدارس خاصة للجاليات، لتعليم الشريعة الإسلامية السمحة، وإقامة القرى الخاصة بالأقليات المسلمة في آسيا، وتوفير التدفئة ومحطات الطاقة ورعاية ضحايا الكوارث الطبيعية والمهجرين، وتوفير منح دراسية عليا للمتفوقين، فضلاً عن برامج الإغاثة ودعم الصائمين في رمضان وتفويج الحجاج. وأمر الشيخ حمدان بن راشد بإقامة العديد من المشروعات في دول عربية عدة، تشمل الخدمات الطبية والصحية والتعليمية، وبناء المساجد والمدارس والمستشفيات والمراكز الحرفية والمهنية ومراكز تحفيظ القرآن الكريم، وحملات الإغاثة والمساعدات الإنسانية للأسر والعائلات المحتاجة، وكفالة الأيتام ومشاريع إفطار الصائم، وأضاحي العيد والحقيبة المدرسية وغيرها.
ثقافة وتعليم
عرف عن المغفور له الشيخ حمدان بن راشد شغفه بالثقافة والآداب والأعمال الإنسانية والتطور العلمي، إذ بادر لإطلاق جائزة الشيخ حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز، التي استطاعت، وبدعم منه، المساهمة بمبادرات مبتكرة وخلاقة، للنهوض بالقطاع التعليمي في الدولة وخارجها، وظل وحتى الرمق الأخير ووفاته راعي الجائزة والداعم للعلماء والعلوم والمتابع لكل جديد. وكان للمغفور له تجربة فريدة من خلال «جائزة حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز»، التي انطلقت في العام 1998، وتحولت بدعم منه إلى أكثر جائزة تكافئ الإبداع التعليمي على مستوى العالم، لا سيما بعد أن أطلق جائزة حمدان- اليونيسكو العالمية، كونها مبادرة مشتركة بين جائزة حمدان بن راشد التعليمية ومنظمة اليونيسكو العالمية، لمكافأة الممارسات والجهود المتميزة لتحسين أداء المعلمين. كما أسس المغفور له كلية آل مكتوم للهندسة والتكنولوجيا في تنزانيا بالعام 2010، والتي تضم تخصصات الهندسة الكهربائية والتكنولوجيا وتقنية المعلومات، فضلاً عن تأسيسه كلية آل مكتوم للدراسات الإسلامية والعربية بأسكتلندا.
جامعة أفريقيا
وقدّم المغفور له الشيخ حمدان بن راشد دعماً سنوياً ثابتاً لجامعة أفريقيا العالمية التي تتخذ من الخرطوم مقراً، تقديراً للدور الذي تقوم به في مجال التعليم العالي في أفريقيا، واستقطاب الطلاب من خريجي مدارس الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم في أفريقيا. ووجّه الشيخ حمدان بن راشد، رجمه الله، أواخر فبراير الماضي بإنشاء مكتبة رقمية جديدة في الجامعة، حيث زار وفد من هيئة آل مكتوم الخيرية الخرطوم، والتقى مدير الجامعة وعدداً من عمدائها، وتوجه مدير الجامعة بالتقدير للشيخ حمدان بن راشد، على دعمه الجامعة، ولهيئة آل مكتوم الخيرية على تعاونها مع الجامعة، لتمكينها من أداء رسالتها التعليمية، وتمكين طلاب أفريقيا من استكمال تعليمهم العالي. وأعرب عمداء الكليات، عن امتنانهم للشيخ حمدان بن راشد على الدعم، الذي توليه «هيئة آل مكتوم الخيرية». ووجّه المغفور له منتصف فبراير، بدعم الجامعة بنصف مليون دولار، تقديراً للدور الذي تقوم به في مجال التعليم العالي في أفريقيا.
ويعتبر المشروع التعليمي للشيخ حمدان بن راشد في أفريقيا، وباعتراف الاتحاد الأفريقي، أهم مشروع تعليمي خيري في القارة تموله وتنفذه، وتديره مؤسسة واحدة بمفردها. بدأ المشروع في عام 1997 ببناء عشر مدارس ثانوية في ثماني دول: السودان، كينيا، تنزانيا، أوغندا، تشاد، موزمبيق، بوركينا فاسو والسنغال، واستمر بتوسع نتيجة النجاحات، التي حققها وبسبب الحاجة الماسة إليه، حتى بلغ قوامه حالياً أكثر من أربعين مدرسة، أغلبها ثانوية وكلية جامعية في 22 دولة أفريقية. وجاء تنفيذ المشروع تطبيقاً لرؤية الشيخ حمدان بن راشد، بعد أن وقف على مشكلات القارة، والتحديات التي تواجه سكانها من الفقر والمرض والتخلف الاقتصادي وعدم الاستقرار.
رعاية طفولة
ظلّ المغفور له الشيخ حمدان بن راشد الداعم الرئيس لصندوق رعاية الطفولة الفلسطينية، الذي يتولى تقديم الخدمات الطبية والإنسانية لأطفال فلسطين داخلها وخارجها، وطالما دعا المجتمع الدولي لمساندة حق الشعب الفلسطيني في الاستقلال والعيش الكريم، وكان مدافعاً عن القضايا العربية، لا سيما القضية الفلسطينية، وطالما شدّد على ضرورة إيصال الصوت العربي الحق إلى الرأي العام الدولي، وتصحيح صورة العربي في الخارج. وكان الشيخ حمدان بن راشد داعماً للترابط بين المدن الإسلامية، من أجل رخاء الشعوب ورفاهيتها، وحريصاً على تبادل الخبرات والمعارف والعمل للقضاء على المظاهر البيئية السلبية.
وقال المغفور له، إن منظمة العواصم والمدن الإسلامية تعمل على تطوير معايير وأنظمة ومخططات حضرية شاملة، تخدم نمو وازدهار العواصم والمدن، وهو هدف سامٍ يجب التركيز عليه، لما له من أهمية لدعم مسيرة المدن من خلال الاهتمام والتركيز على التقنيات المتقدمة، وتفعيل مبادئ التبادل والشراكة، وفتح أبواب الأمل لمستقبل أكثر إشراقاً تزداد فيه عواصمنا ومدننا الإسلامية وحدة وتماسكاً.
بصمات
ترك المغفور له الشيخ حمدان بن راشد بصمات واضحة في دعم القطاع الصحي محلياً ودولياً، وذلك من خلال جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية، التي تعد إحدى أبرز الجوائز الطبية في العالم، إذ تسعى لتحفيز الطواقم الطبية لتوفير أرقى الخدمات، وذلك عن طريق تكريم العلماء، الذين يسهمون في الخدمات الطبية في جميع أنحاء العالم، كما تدعم الجائزة البحث العلمي في المجال الطبي، وأثبتت نجاحاً باهراً بشهادة العديد من الخبراء والمختصين.
لا يمثّل كل ذلك سوى غيض من فيض لرجل ظل عطاؤه وفيراً بلا ضجيج وأضواء، الأمر الذي وضعه في مقدمة من يشار إليهم بالبنان، ومن تشرف الجوائز الاقتران بأسمائهم، إذ حصل على ثلاث شهادات فخرية من الكلية الملكية البريطانية، وهي الزمالة الفخرية للكلية الملكية البريطانية للأمراض الباطنية بلندن، والزمالة الفخرية للكلية الملكية البريطانية للأمراض الباطنية بأدنبرة، والزمالة الفخرية للكلية الملكية البريطانية للأمراض الباطنية والجراحة بجلاسكو.
