مشروع تاريخي في البحرين سُجل على قائمة التراث العالمي

طريق اللؤلؤ.. حيث تستمر الحكاية

لتراث اللؤلؤ مكانة متميزة عند البحرينيين، فهو ليس مجرد موقع أثري مثل قلعة البحرين، بل هو مفهوم وذكريات محفوظة في عقول وقلوب ووجدان الناس، وهو ذاكرة جماعية تحتفظ بعناصر مختلفة وتقاليد ثقافية مرتبطة بزمان خروج صيادي اللؤلؤ إلى البحر كل صيف.

ولذلك، لم يقدم مشروع تراث اللؤلؤ على أنه موقع، بل كطريق للؤلؤ يمكن لأي زائر أن يسلكه، ويكتشف عناصر مختلفة من الحكاية التي تروي كل جزئية منها شيئاً عن اللؤلؤ.

فمن المحار في قاع البحر، حيث يحصل الغواصون على اللؤلؤ، إلى شاطئ البحر والمهرجان الشعبي في بداية موسم الغوص، إلى موقع بناء السفن، إلى الأسواق التاريخية، ومساكن الذين ساهموا في دعم وتطور النظام الاقتصادي الذي تشكله حكاية اللؤلؤ.

وفي زيارة مميزة قامت بها «البيان» لطريق اللؤلؤ بالبحرين، والذي سُجل على قائمة التراث العالمي، يمكن معرفة الطريق من أرضيته المفروشة ببلاط متميز، ومن واجهات المنازل التراثية المطلة عليه، وهي واجهات رممت لإعادة إكسائها بحيويتها الأصيلة لكي يكون الطريق معلماً تاريخياً جذاباً.

كما تخلق إضاءة الشوارع جواً خاصاً ليضيف مزيداً من الشعور بالسلامة والاطمئنان في أوقات الليل، كما أن تثبيت بعض الأثاث والمقاعد في الشارع يوفر الفرص للجلوس والراحة.

ويمكن الوصول إلى طريق اللؤلؤ بسهولة ويسر من أي مكان، مع وفرة مواقف السيارات الخاصة في بعض النقاط، كما يستطيع الزائر من الاستمتاع بقصة اللؤلؤ مجاناً عبر جهاز سمعي متعدد اللغات، ومتوفر في عدة نقاط.

كما أن شاشات للعرض في المنازل، أو أمامها ستوفر بيانات ومعلومات توضيحية بصرية عن المحرق والحياة فيها، في الفترة التي كان اللؤلؤ يحدد ويفرض نمط العيش في البحرين.

 

 

 

 

 

 

 

 

أسواق ومنازل


وبعد المرور على سوق بن خاطر، والمشي خلال المنازل التي كان يسكنها أعضاء من الأسرة الحاكمة، وصلنا إلى الطرف الشمالي من الطريق بمسافة قطعناها وصلت إلى الميلين، وحان وقت الجلوس مرة أخرى وأخذ قسط من الراحة في مقهى متحف اللؤلؤ المتصل بمجلس أحد تجار اللؤلؤ، ولا يعني الجلوس أن المغامرة المشوقة قد انتهت، حيث تبقى فرص جديدة للاستكشاف.

وبجانب المتحف يقع منزل تاريخي لأسرة جمعت بين مهنتي تجارة اللؤلؤ والطواشة والمنزل ملاصق لمسجد تبرعت تلك الأسرة نفسها ببنائه لصالح المجتمع المحلي.

وينتهي السرد الممتع عن دخول المتحف، حيث خُصصت لنا بضع دقائق لمشاهدة أجمل ما تبقى من عصر اللؤلؤ، حبيبات من اللؤلؤ البحريني مع عرض قطع من المجوهرات الاستثنائية التاريخية والتي صدرتها البحرين.

كما يمكن للزائر رؤية بعض الأدوات والمعدات التي كانت تستخدم لقياس وتسعير اللؤلؤ، كما شاهدنا منتجاً نهائياً وهو عبارة عن عقد من اللؤلؤ تروي كل لؤلؤة منه جزءاً من الحكاية.

بعدها اتجهنا إلى الشرق من السوق، ومن حي الزياينة ينتقل الزائر إلى حي المعادوة ثم توقفنا عند مجلس وبيت عائلة الطواش.

والطواش هو سمسار اللؤلؤ الذي يقوم بشرائه وإعادة بيعه، وأغلب الطواويش يملكون سفنهم الخاصة بهم، ويخرج الطواش إلى الهيرات في عرض الخليج لشراء اللؤلؤ من على ظهر سفن الغوص.

والطواشة (أعمال دلالة اللؤلؤ) تستند على ممارسات ثقافية تقليدية وسبل تفاوض فريدة مبنية على مفهوم محلي خاص، فلا يسمح مثلاً إذا ما اعتلى طواش ما سطح سفينة غوص للتفاوض مع النوخذة لشراء محصول لؤلؤهم أن يدخل طواش آخر في مضاربة مع نفس تلك السفينة، إلا بعد أن ينتهي الطواش الأول من معاملته ويغادرها.

كما أن عروض الشراء التي يقدمها الطواش تأخذ مجراها بلا صوت، ويتم ذلك عن طريق لغة ضغط الأصابع بين يدي كل من الطواش والنوخذة وذلك تحت قطعة قماش تحجب يديهما.

وهي لغة مشفرة لا يمكن أن يعلمها عامة الناس، حتى إن تم التفاوض على صفقة اللؤلؤ في أماكن عامة، وأمام الجمهور، ويسمح للزائر الدخول للمجالس وبيوت الطواويش لمعرفة أفضل لحياتهم وعاداتهم ومعاملاتهم.

والعمارات والتي بدأنا نراها بحي الزياينة، هي المخازن والورش التي تتم صناعة السفن داخلها وأمامها، وما زالت تحافظ على طابعها، وتقع على بعد بضع خطوات في الطريق المحاذي لمنطقة السوق. وفي هذا المكان يمكن للمرء فهم الطريقة التي كان يتعامل بها القلاف مع جذور الأشجار الثقيلة، وصقلها وتحويلها إلى منتوج نهائي.

وفي الجانب الخلفي للعمارات، يكتشف المرء شريان الحياة في المحرق، وذلك بالسير خلال أزقة السوق التاريخي والذي ما زال مليئاً بالمتاجر الصغيرة، والمخازن والمقاهي.

هنا يشعر المرء بروح الحياة الاجتماعية والتجارية كما كانت منذ القدم، في هذا المكان يتفاعل الناس، ويتداخلون باختلاف مناهجهم وأصولهم.

وتغري الأناقة المغطاة والتي تجمع في تناسق رائع بين التاريخ والحاضر، وبين العتيق والحديث، الزائر لدفع بضعة دنانير لشراء المنتجات المحلية، للتعرف إلى أصول التجارة ونظم الائتمان، وتخزين المواد خلال عصر اللؤلؤ.

وهكذا وبعد أن قطعنا أول ميل، فإن المقاهي تدعو الزائر بكل لطف ورقة إلى أخذ نصيب من الراحة في محيط تقليدي خلاب، عاشه تجار اللؤلؤ إلى زمن قريب، للتفاوض على أسعار اللؤلؤ.

وعندما تقدمنا اعترضنا حي الزياينة، حيث نما نشاط تجار السفن والأخشاب، ويمكن ملاحظة مساحات خلاء شاسعة بالقرب من ساحل البحر، حيث نشأت العمارات لتخزين الخشب والجذوع، وتداولها جنباً إلى جنب مع عمارات تخزين مواد البناء والتشييد، والتي تمتد لمسافة ميل شمالاً على طول الساحل.

 

 

 

 

 

 

 



سفن اللؤلؤ


وخلال زيارة مساكن ومجالس تجار السفن والأخشاب، يتعرف المرء إلى أهمية سفن اللؤلؤ، ومختلف أنواع القوارب، ومهامها، بالإضافة إلى مصدر المواد المطلوبة، ولمساعدة الناس على فهم أفضل لهذه الجوانب من الحياة، ستعرض لهم وثائق وصور توضيحية تسهم في استيعاب تجارة الأخشاب والأشرعة ومواد أخرى، تدخل في عملية صناعة بناء السفن.

وعندما مررنا بالأزقة الصغيرة في حي تاريخي وتراثي أصيل، لاحظنا منزلاً تملكه عائلة أحد النواخذة (قائد السفينة) مما ساعدنا على فهم دور النوخذة في المجتمع، وصلاته القوية مع ملاك السفن، وأفراد طاقم صيد اللؤلؤ.

بعد عبورنا للساحل، قادنا طريق اللؤلؤ من الساحل إلى شبه جزيرة الحالة والتي كانت في السابق جزيرة، وبما أن طابع الجزيرة تغير، فإن المسار الجديد ساعدنا على التعرف إلى الحدود القديمة للساحل.

ويمثل العبور من منطقة القلاليف فرصة رائعة للاستماع إلى القصص المشوقة لأناس امتهنوا بناء وصيانة القوارب أمام منازلهم، والتعرف إلى موسيقى الغوص التقليدية، والمجالس الاجتماعية عند المرور أمام مبنى الدار التراثي، وعند الوصول إلى حي الجلاهمة يتحول الحديث إلى معاني الجاه الاجتماعي في حقبة الغوص، وإلى دور المرأة أثناء موسم اللؤلؤ.

ويمثل ساحل البحر العنصر الرئيسي الذي يربط بين الهيرات في البحر والناس على أرض الجزيرة، بين الموارد الطبيعية والتقاليد الثقافية المحيطة حولها.

وساحل البحر هو مكان للمهرجانات الخاصة التي تحتفل بها النساء والأطفال في بداية ونهاية الموسم، ولكنه في الوقت نفسه المكان لصناعة السفن، وصيانتها، والمكان الذي تصل إليه البضائع من جميع أنحاء العالم، وهو أيضاً المكان الذي كان لؤلؤ البحرين الثمين يصدر منه إلى الخارج ليدر بعائدات مالية تمكن المجتمع البحريني من العيش.

كما كان الساحل يمثل لرجال الغوص نقطة العبور، حيث تتحول الحياة الطبيعية على اليابسة إلى حياة خاصة في عرض البحر، وهكذا يصبح الساحل المكان الذي تودعهم منه عائلاتهم، داعية لهم بالتوفيق في بداية موسم الغوص، ومن ثم لتستقبلهم مجدداً عند نهاية الموسم، كما يستقبل الأبطال بعد فراق طويل.

وتستمر الحكاية.

طباعة Email