حلّ عيد الأضحى على اللبنانيين، هذا العام، وهم ليسوا في أحسن حال. فالبهجة التي كان يزرعها في نفوسهم عادةً غابت هذه المرّة، على وقْع الانهيارات المتتالية التي يرزحون تحت عبئها، وتحت وطأة مشهد عام بدا ضائعاً تماماً أمام أفق شديد الارتباك والغموض.
«ناس قلال كتير معيّدين، وناس كتار كتير عم يتفرّجوا عالعيد».. عبارة كتبها أبو رامي على صفحته في فيسبوك، في معرض توصيف واقع حال «العيد الكبير» الذي حلّ على اللبنانيين من دون فرح أو احتفال، بل بخوف كبير ممّا هو آتٍ، وبخشية من أن تطارد كوابيس الأمس غدهم المنتظر.
ومن ذاكرتها الملأى بالتفاصيل، تستذكر السيدة الستينية «أم فؤاد»، وهي تمسح آثار الرطوبة من جبينها المتعرّق وشعرها الشائب، حركة البركة وعجقة السيارات الخانقة، والأسواق الممتلئة بالناس من كلّ الطبقات، والزينة والمصابيح الكهربائية التي كانت تتدلّى من شرفات المنازل، واللافتات التي كانت تحمل عبارات التهنئة للحجاج «حج مبرور وسعي مشكور» في الأحياء وعلى مداخل المنازل، وتختصر لـ«البيان» ما آلت إليه أحوال الأغلبية الساحقة من اللبنانيين بخلاصة مفادها: «هذا العيد يمضي بغصّة، حتى من دون حصولنا على الأضاحي».
وعلى امتداد لبنان، بدا لافتاً غياب مظاهر عيد الأضحى، واقتصرت أضاحيه على بعض المقتدرين، فيما حلّ التندّر على اللحوم وغلاء أسعارها طبقاً أساسياً على طاولة العيد. أمّا من اشترى كلغ من اللحم للعائلة كلّها، بدلاً عن «صاعور» العيد، فانزوى خلف بيته لشوائه لئلا يثير حفيظة الجيران، ومنهم «أم ربيع» التي لم تخفِ حسرتها على فرحة كانت تعمّ الشوارع، في استقبال «الأضحى» الذي كان يبدأ لدى الصغار والكبار على السواء قبل أسابيع من حلوله، بخاصيّته الاجتماعية التي كانت تتبدّى بمجموعة القيم الإنسانية المتوارثة، وكان يتمّ خلالها التعبير عن الفرح والعطاء والتواصل ومساعدة الغير، بالإضافة إلى مظاهر احتفالية كانت تتنامى سنة بعد أخرى، وتحمل في طياتها مظاهر مدينية ومعاصرة.
وما بين الأمس واليوم، تبدّل المشهد، إذْ لم يتعوّد اللبنانيّون على النمط الجديد لغلاء الأسعار، بما تجاوز قدرتهم الشرائية بأشواط، فذهبوا للتسوّق ثم عاد معظمهم بأيادٍ فارغة، كما هو حال «أبو كريم»، والذي أشار إلى خلوّ باحات متاجر اللحوم من الخرفان التي كانت تكتظّ بالمئات عشية العيد.
ومن وحي معاني «الأضحى» الذي حلّ حزيناً على الكثير من اللبنانيين ممّن باتوا ليلة العيد، كما غيرها، من دون كهرباء أو ماء، وحتى إنّ الفرحة لم تدخل منازلهم بثياب جديدة أو حلوى العيد، أو الأضاحي التي أصبحت حصراً لمن استطاع إليها سبيلاً، بعد أن تدنّت مداخيل أكثر من 80 % منهم إلى ما دون الحدّ الأدنى، وتدنّت معها حياتهم إلى ما دون خطوط الكرامة الإنسانية، فإنّ من أبرز مفارقات الزمن الحاضر أنّ اللبناني «صار يعرف ما معنى رمزيّة طائر الفينيق الذي ينتفض من بين الرماد»، وفق قول الشابة هدى لـ«البيان»، متسائلةً: «مَن يصدّق أنّ شعباً تركته دولته ونهبت ودائعه وحرمته الدواء والرغيف والمحروقات ينتفض على نفسه ويجترح عيداً؟».
