اشتعلت العاصمة السودانية الخرطوم، وسرعان ما تمددت شرارة نيرانها إلى مدينة الجنينة، أقصى غربي البلاد. المدينة الأكثر هشاشة، تحولت في غفلة من انشغال الناس بحرب الخرطوم، إلى كومة من الجثث والرماد، وجحيم احترق فيه الأخضر واليابس، في ظل غياب الدولة وأجهزتها، التي كانت الحلقة الأضعف في الصراع.
بدأ الصراع الدامي في مدينة الجنينة، حاضرة ولاية غرب دارفور، أواخر أبريل الماضي، محدد الأطراف والتوصيف، كامتداد للحرب المحتدمة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لكنه سرعان ما انتقل إلى صراع إثني، بات فيه الكل يقتل الكل، إذ بلغ عدد القتلى نحو ألف شخص، وتجاوز عدد الجرحى أربعة آلاف جريح.
وأبدى ممثل الأمين العام للأمم المتحدة رئيس بعثة (يونيتامس)، فولكر بيرتس، قلقه مع استمرار تدهور الوضع في دارفور، لا سيما إزاء الوضع في مدينة الجنينة، في أعقاب موجات العنف المختلفة، والتي قال إنها اتخذت أبعاداً عرقية، لافتاً في بيان له إلى أنه، وبينما تواصل الأمم المتحدة جمع تفاصيل إضافية بشأن هذه التقارير، هناك نمط ناشئ من الهجمات واسعة النطاق، التي تستهدف المدنيين على أساس هوياتهم العرقية، والتي يزعم أنها ارتكبت من قبل ميليشيات ومسلحين يرتدون زي أحد طرفي الصراع.
وضع كارثي
بدورها، قالت نقابة الأطباء السودانيين، إن عدداً كبيراً من الضحايا، من بينهم أطفال ونساء وكبار سن، سقطوا نتيجة الاقتتال في الجنينة، في وضع كارثي، هو الأسوأ على الإطلاق في تلك المدينة، وأكدت النقابة، في تقرير لها، تعذر حصر الضحايا في المدينة، حيث إن جميع مستشفيات الجنينة خارج الخدمة، كما أن المدينة محاصرة، والاتصالات منقطعة عنها. ويشير المختص بقضايا النزاع في دارفور، عز الدين دهب، لـ «البيان»، إلى أن الصراع في مدينة الجنينة قديم متجدد، ودائماً ما يتم استغلال أي نزاع يطرأ لتأجيج تلك الصراعات القبلية الموروثة، خاصة مع تنامي خطاب الكراهية والاستقطاب والاستقطاب المضاد.
ويؤكد أن الصراع في مدينة الجنينة، تفجر عقب المعارك التي دارت بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، وانتقل إلى المكونات الاجتماعية بالمدينة، في ظل غياب جهاز الحكومة، الذي كان الحلقة الأضعف في الصراع، حيث اختفى ملمح الدولة تماماً، في ظل انشغال الحكومة المركزية بالحرب الدائرة في الخرطوم، وانعدم وجود رادع قوي يقف بين المكونات المتقاتلة، بجانب أن الحدود المفتوحة على دولتي تشاد وأفريقيا الوسطى، صعّب من عملية التحكم.
أزمة إنسانية
وحول الوضع الإنساني بالمدينة، أكد دهب أن الأزمة الإنسانية تمضي من السيئ إلى الأسوأ، خاصة أن جميع المستشفيات بالمدينة خرجت عن الخدمة تماماً، مع انقطاع الإمداد الدوائي، وصعوبة تأمين الكوادر الطبية، كما أن جميع الأسواق والمخازن تم نهبها، بل حتى المخازن التابعة للمنظمات الدولية، تمت سرقة محتوياتها من مواد غذائية وغيرها.
