انتهت أيام عيد الفطر ولم تنته مأساة الحرب في السودان، فرغم الهدنة التي تعلن من حين لآخر، لا تزال المعارك الدائرة بين الحلفاء المتقاتلين تهدد الحياة في العاصمة الخرطوم. المدينة التي لم تشهد طوال تاريخها ما عايشته خلال الأيام العشرة الماضية فقدت بريقها وتحولت شوارعها إلى ثكنات عسكرية.

في لحظات اختفت كل ملامح الاستعداد للحياة، بعد أن خلت أسواقها من مرتاديها كرهاً، فالآلة العسكرية أحالت الفرح إلى حزن دائم، وكل ركن من البلد الجريح يتساءل على ماذا يتقاتلون، وبأي ذنب يقتل الأخ أخاه؟!.

قبل أيام قليلة ظل جنرالات الجيش ونظراؤهم من الدعم السريع يرددون أنهم معاً في الخندق ذاته الذي يحمي أمن واستقرار البلاد، لكنهم سرعان ما كشر بعضهم في وجه الآخر، فالحرب التي أطلقت رصاصة الرحمة على ما بينهم من تحالف، وضعت البلاد على كف عفريت، وأحالت أمنها إلى مخاوف أرقت نوم البسطاء.

بلاد تتمزق

عشرة أيام من دوي المدافع وأزيز الطيران الحربي أحالت حياة السودانيين في العامة الخرطوم ومدن أخرى إلى جحيم، فرّ عشرات الآلاف دون وجه، وضاعت عليهم مساكنهم بما رحبت من جود بالموجود، اتجه بعضهم جنوباً إلى ولاية الجزيرة، وآخرون نزحوا شمالاً إلى ولايتي نهر النيل والشمالية، فيما اختار بعضهم الابتعاد أكثر إلى مصر عبر البر، تاركين خلفهم الحسرة على بلاد تتمزق بسبب الصراع حول كراسي السلطة.

لا أحد يتنبأ بنهاية كابوس الحرب، لكن معاناتها على كاهل المدنيين مستمرة، وأطرافها تستغل (الهدنات) الإنسانية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب على ميدان المعركة، بينما يعبث اللصوص بالممتلكات العامة والخاصة من متاجر وغيرها، فغياب الدولة، وفتح السجون، خلق واقعاً جديداً يضاعف المأساة، فمن سلمت مقتنياته من الخراب، اختطفها قطاع الطرق، ومن لا يزال باقياً في منزله تحدثه نفسه بالخروج، ولكن ليس قبل أن يجد ممراً آمناً يضمن به سلامته من نيران المتقاتلين، أو ما يملك من نهب اللصوص.

تكاتف

مع انزلاق السودان إلى أتون القتال ومحاصرة المدنيين في أحياء مدنهم ونقص المياه والغذاء والرعاية الصحية، ظهرت جهود مجتمعية ومواقع إلكترونية وتطبيقات لتعزيز التكاتف وحشد المساعدة الطبية وتوفير الإمدادات الأساسية. وتحولت لجنة احتجاج إلى تقديم نوع من الخدمات الصحية الشعبية.

واستخدم أفراد في أماكن أخرى التكنولوجيا لتوفير مخزونات محلية من الغذاء والمياه العذبة والأدوية للأحياء المحتاجة.