قفزت إلى واجهة المشهد اللبناني مجدداً مسألة النزوح السوري. وكما هو الحال مع كل حدث، تباينت ردود الفعل اللبنانية على عملية الترحيل. ففيما انتقدها البعض، متسلحاً بعنوانَي التصدّي لـ«العنصرية» ولـ«المسّ بحقوق الإنسان»، اعتبرها البعض الآخر أمراً طبيعياً قام به الجيش اللبناني، إنفاذاً لقرار سابق للمجلس الأعلى للدفاع، مشيراً إلى سعي الدول المؤثرة لإبقاء النازحين في لبنان ودمجهم في المجتمع المحلي تحت شعارات إنسانية.

وما بين حدّي الانتقاد والدفاع، فإن ثمّة إجماعاً على أن المجتمع الدولي، بمنظماته الرابضة خلفه، أقفل كل الحدود نحو عودة النازحين السوريين إلى ديارهم، فأصبح لبنان «شعبيْن في بلد متهالك واحد»، وفق تعبير أحد الناشطين، ما دفع قيادة الجيش إلى فرض حل الترحيل بقوة القانون.

وإذا كانت هذه الواقعة قد فتحت جرحاً نازفاً في خاصرة لبنان، فإنها، وبحسب تأكيد مصادر معنية، ستقتصر على النازح المختلس وتعيده من حيث تسرّب، لافتةً إلى أن لبنان بلغ مرحلة «الترحيل بقوة القانون» بعد أن فاض به النزوح والعرقلة الدولية لهذا الملف. أما على المشهد الآخر من الصورة، فضجّت المواقف بالتساؤلات، ومفادها: ماذا عن أكثر من مليونَي سوري يقيمون على الأرض المحروقة، وينافسون اللبناني على ماء وهواء ومستلزمات عيش لم تعد متوافرة للبنانيين؟

أرقام ودلالات

وبلغة الأرقام، وتبعاً لآخر إحصاء للأمن العام، فإن هناك نحو مليونين وثمانين ألف نازح سوري على الأراضي اللبنانية. فيما أعداد الولادات السورية تناهز الـ250 ألفاً سنوياً، في مقابل 54 ألف ولادة لبنانية. أما بأرقام دراسة أجرتها شركة «ستاتكس ليبانون»، فيبلغ عدد اللبنانيين 4 ملايين و800 ألف نسمة، فيما يبلغ عدد السوريين على الأراضي اللبنانية مليونين و34 ألف سوري، يُضاف إليهم، بحسب آخر أرقام للشركة، 17 ألفاً دخلوا إلى لبنان في فترة ما بعد الزلزال الذي ضرب سوريا في فبراير الفائت.

وهذه الأرقام، وفق مصادر متابعة، تشير إلى عمق أزمة، يُفترض تفكيك «لغْمها» الذي لن ينجو منه أحد. كما ذكّرت المصادر نفسها بقرار المجلس الأعلى للدفاع، في أبريل 2019، الذي قضى بـ«اتخاذ تدابير وإجراءات لضبط تنقل الأشخاص والبضائع عبر الحدود البرية، واليد العاملة غير المرخّص لها». وبموجب هذا الطلب، يتصرف الجيش اليوم، والذي بحسب معلومات خاصة بـ«البيان» أعاد من السوريين المخالفين للقوانين ما لا يتجاوز عدده 300 سوري خلال أبريل الجاري.

وفيما المجتمع الدولي يرفض أي حل لهؤلاء، ويحفّز على بقائهم واندماجهم في المجتمع اللبناني، فإن ثمّة إجماعاً على أن قائمة الحلول للأزمة اللبنانية، والتي تبدأ بملء شغور رأس الدولة، لا بد أن تشمل الأرض وما عليها، بعد أن فاضت البلاد بأزمة النازحين السوريين، وأثقلت كاهل الدولة اللبنانية، المثقلة أصلاً بأزمات، بدأت بانهيار العملة الوطنية وتدحرجت كـ«أحجار الدومينو» نحو الدستور والقضاء والمؤسّسات.

وسلوك الطريق نحو حل أزمة النزوح، وفق تأكيد مصادر سياسية، يكون بالتعامل بالمثل، أسوةً بتركيا والأردن، حيث نظمت الدولتان وجود النازحين على أراضيهما، بالتعامل المباشر و«على بياض»، بين الدولة والمفوضية العامة لشؤون اللاجئين. أما في لبنان، والتذرّع بالخوف على أمن النازحين، إذا ما عادوا إلى ديارهم، أصبح أشبه بـ«شمّاعة» لبقائهم في لبنان، على الرغم من كون الأمن في سوريا بات «مستتباً»، بفعل الانفتاح الخارجي على دمشق.