جملة من التحولات المتسارعة يشهدها العالم في ضوء تطورات جيوسياسية متزامنة في غير صعيد، وفي خطٍ متوازٍ مع تطور النزاعات والصراعات في عديد من البلدان والأقاليم، والتي تنعكس جميعها على نشاط التنظيمات الإرهابية المختلفة، سواء لجهة تقليص نشاطها تناغماً مع تقدمات مُحرزة في سياق مكافحة الإرهاب ببعض المناطق، أو ارتفاع وتيرة حركتها مستفيدة من بؤر الصراع المشتعلة في مناطق أخرى.

أمام تلك التحولات لم تظل استراتيجيات التنظيمات الإرهابية ساكنة، فقد شهدت متغيرات مختلفة في صُعد عديدة، سواء متغيرات مرتبطة بالدوافع انتقالاً من الدوافع الأيدلوجية حتى الإرهاب السياسي، إضافة إلى التحولات في الاستراتيجيات الخاصة والبؤر البديلة أو مساحات التحرك الجديدة بعد تضييق الخناق عليها في مساحاتها الرئيسة السابقة، وللاستفادة من التطورات الجارية.

إعادة تمركز في القارة السمراء

عام 2022 شهد حلقات جديدة في سياق مساعي التنظيمات المتطرفة لإعادة التمركز في مناطق بديلة، ولا سيما في القارة الأفريقية بوصفها بيئة خصبة لنمو النشاط الإرهابي، حيث الظروف والأوضاع الاقتصادية الخانقة والاضطرابات السياسية في عددٍ من دولها. إضافة إلى استغلال تلك التنظيمات الحرب في أوكرانيا بحثاً عن ملاذات أخرى، قد تقودها إلى تهديد أوروبا بأكملها.

واحدة من المحطات الرئيسة الفاصلة التي سجلها عام 2022 كانت الحرب في أوكرانيا، التي تنعكس تداعياتها على نشاط الإرهاب بصورة مباشرة وغير مباشرة، لجهة شظايا الحرب المتناثرة وتبعاتها على مناطق وبلدان أخرى مثل قارة أفريقيا (لناحية انعكاسات الحرب على تغذية السوق السوداء للأسلحة هناك)، وحتى ما يتعلق بزيادة التهديدات الإرهابية على أوروبا نفسها في ضوء جملة المتغيرات التي أسفرت عنها اللحظة الفاصلة في الرابع والعشرين من فبراير (العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا) والتي ربما أوجدت - ضمن آثارها الأكثر خطورة - مساحة تحرك جديدة للتنظيمات المتطرفة.

تبعات الحرب ميلاد تنظيم جديد!

الباحث والكاتب المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، منير أديب، يقول إن الحرب في أوكرانيا قد أدت عملياً لنشأة حركة متطرفة في شرقي أوروبا، ربما تكون أخطر من نظيرتها التي تشكلت في الشرق الأوسط (...) فقد سمحت الحرب بوجود «داعش» وربما وجد ملاذاً آمناً في أوروبا على خلفية الفوضى التي فرضتها وحالة التوتر هناك، مستشهداً على ذلك بأن أطراف الصراع (المباشرين وغير المباشرين) أرادوا استقطاب متطرفين ذوي خلفية مؤدلجة، فوجدنا أن أوكرانيا تستعين بمتطوعين مقاتلين أجانب، وفي المقابل فعلت روسيا الشيء نفسه.

ويتابع: التنظيمات المتطرفة بدأت تنشط بالفعل على خلفية هذه الدعوات، مستشهداً بنشاط مقاتلين من الشيشان في صفوف القوات الأوكرانية، في مواجهة مقاتلين في صفوف القوات الروسية.

ويعتقد أديب بأن المجتمع الدولي هو من وفر لهذه التنظيمات البيئة والملاذ على هامش الحرب الدائرة، فغالباً ما ينمو الإرهاب وسط الصراعات السياسية، أما وإن هذا الصراع بين نصف المجتمع الدولي الممثل في الولايات المتحدة والغرب، والقطب الآخر الممثل في روسيا، فإنه قد شكل بيئة مناسبة لهذه التنظيمات تحت عين تلك الدول.

ويحذر الباحث من تبعات تلك التطورات، مشيراً إلى أن أوروبا سوف تعانيها بشكل كبير على المدى القصير، وستظهر تلك الحركة المتطرفة بشكل أكثر وضوحاً في الأعوام المقبلة.

كما يلفت في الوقت نفسه إلى أن سقوط داعش في الشرق الأوسط في 22 مارس 2019 أدى لتحرك عناصر لبيئات جديدة حاضنة، فكانت ساحات الحرب بين روسيا وأوكرانيا مقصداً جديداً يتشكل تحت عين الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا وأوكرانيا، وبالتالي تقع واشنطن في الخطأ نفسه السابق الذي وقعت فيه حينما استعانت بمتطرفين عرب في مواجهة الاتحاد السوفييتي، ما أسهم لاحقاً في ميلاد تنظيم القاعدة.

وعليه، فإن السنوات القليلة المقبلة تترجم هذا النشاط في أوروبا بشكل واضح، وبما يضع القارة العجوز على المحك، وسط جدل متجدد في شأن استراتيجيات مكافحة الإرهاب في ضوء التطورات المتسارعة التي تشهدها الاستراتيجيات السياسية والأمنية على حد سواء.

أفريقيا والشرق الأوسط في عين العاصفة

على الجانب الآخر، لا تزال مناطق النزاعات والصراعات في أفريقيا والشرق الأوسط تستحوذ على النشاط الأوسع والأكثر وضوحاً للعمليات والهجمات الإرهابية في العام، ففي المنطقة العربية كان المعدل الشهري التقريبي لمعدلات العمليات الإرهابية نحو 52 عملية شهرياً، بما يخلف ما متوسطه 137 قتيلاً شهرياً. وقد سجلت أول تسعة أشهر من العام سقوط 1232 قتيلاً إثر 467 عملية إرهابية، طبقاً لتقارير مؤشر الإرهاب في المنطقة العربية الصادرة بالقاهرة عن مؤسسة ماعت.

وفي القارة الأفريقية، بلغ متوسط عدد الضحايا الشهري للعمليات الإرهابية نحو 799 قتيلاً، وسجلت أول تسعة أشهر من العام سقوط 7197 قتيلاً، بحسب المصدر نفسه، في وقت سجل فيه عام 2021 سقوط 7142 قتيلاً جراء تصاعد العمليات الإرهابية بالقارة في 2021، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي.

وفي السياق، يُبرز الخبير الحقوقي الدولي رئيس مؤسسة ماعت التي تصدر تقارير عدسة الإرهاب في أفريقيا والمنطقة العربية، أيمن عقيل، العوامل الرئيسة التي دفعت إلى تغلغل التنظيمات الإرهابية في المنطقتين، بالتركيز على العوامل الاقتصادية والاجتماعية، في ضوء المشكلات التي تعانيها عديد من الدول، جنباً إلى جنب وغياب ثقافة التسامح في كثير من المناطق والأفكار الطائفية وخطاب الكراهية المستفحل، علاوة على معاناة بعض الدول انتشار السلاح في أيدي جماعات وأطراف أخرى، وبجانب الحدود الرخوة بين الدول.

ويشير عقيل إلى أن العوامل التي ذكرها هي من ضمن أبرز العوامل التي تستثمرها التنظيمات الإرهابية، وفي القلب منها تنظيم داعش، من أجل التغلغل في أفريقيا ودول عربية، استثماراً للظروف التي تعانيها تلك الدول، وفي محاولة لتعويض الخسائر التي مني بها في السنوات الماضية في ظل عمليات مكافحة الإرهاب، والتكيف مع الوضع الراهن، وبما يشكل تهديداً واسعاً للأمن القومي بالنسبة لهذه الدول.

ويؤكد الخبير الحقوقي الدولي الحاجة الملحة من أجل اتباع أساليب وإجراءات غير اعتيادية ضمن أدوات مكافحة الإرهاب في المنطقة العربية وأفريقيا، بما يتضمن معالجة جذور الأزمات المذكورة، إلى جانب جهود مكافحة الإرهاب وتكثيف التعاون الأمني والاستخباراتي وتبادل الخبرات على نطاق واسع.

توظيف الطائرات من دون طيار

وفي خطٍ متزامن مع التحولات في سياق إيجاد ملاذات بديلة لنشاط التنظيمات المتطرفة، ومع المتغيرات المرتبطة بالدوافع الرئيسة انتقالاً من الدوافع الأيدلوجية وصولاً إلى الإرهاب السياسي، ثمة متغيرات أخرى مرتبطة بتطور أدواتها واستراتيجياتها القتالية، ومن بينها التوسع في توظيف الطائرات من دون طيار، بقصد توسيع نطاقات الاستهداف وتقليص الخسائر.

وفي هذا السياق، يعتقد المفكر الاستراتيجي المصري اللواء سمير فرج، أن هذا الاتجاه نحو التوسع في توظيف الطائرات المسيرة من دون طيار يأتي في إطار ما توفره تلك الطائرات من مزايا مختلفة، لجهة سهولة امتلاك التكنولوجيا الخاصة بها وقلة تكلفتها، علاوة على استخدامها على نطاقات مختلفة، وفي الوقت نفسه تأثيراتها الكبيرة، ومن ذلك التأثيرات المعنوية.

ويقول فرج إن التنظيمات الإرهابية في السنوات الأخيرة وفي سياق جهود مكافحة الإرهاب على المستوى الدولي، تلقت عديداً من الصدمات ومنيت بخسائر واسعة أدت لفقدانها الكثير من أعمدتها الأساسية، جنباً إلى جنب جهود سد منابع التمويل التي قلصت عائدات التنظيمات الإرهابية، وعليه لجأت تلك التنظيمات الساعية لتطوير أدواتها إلى توظيف الطائرات المسيرة للاستفادة مما توفره من مزايا تتناسب والواقع الحالي الذي تعيشه تلك التنظيمات، والهدف الذي تسعى إليه من عملياتها السريعة بقصد إحداث تأثير واسع وبتكلفة أقل، وفي ظل المشكلات التي تنطوي عليها عمليات التصدي لتلك المسيرات في ضوء تطورها المستمر.

استهداف قيادات التنظيمات الإرهابية

وبرغم هذه الفرص التي وجدتها التنظيمات الإرهابية في عام 2022 بين ساحات حرب مشتعلة وملاذات جديدة وبيئات خصبة للانتشار، إلا أن العام نفسه قد سجل عدداً من الضربات القاصمة التي استهدفت رؤوس وقيادات التنظيمات الإرهابية، ولا سيما في كلٍ من سوريا والعراق، ومن بينهم زعيمان لتنظيم داعش، الأول أبو إبراهيم الهاشمي القرشي (الذي فجَّرَ نفسه بحزام ناسف في عملية أمريكية في الثالث من فبراير، شمال غربي سوريا)، والثاني زعيم التنظيم الذي حل خلفاً للقرشي، وهو أبو الحسن الهاشمي (الذي أعلن التنظيم عن مقتلة أثناء إحدى المعارك في 30 نوفمبر، بينما ذكرت القيادة الأمريكية أنه قتل في منتصف أكتوبر في محافظة درعا)، علاوة على عديد من القيادات الداعشية الذين قتلوا في 2022.

واختار التنظيم بعد أبي الحسين الحسيني القرشي، زعيماً هو الرابع لداعش. كما سجّل العام نفسه أيضاً مقتل زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، وذلك في 31 يوليو الماضي، وذلك في غارة جوية بطائرة من دون طيار نفذتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في كابول.

جهود وطنية مهمة لمكافحة الإرهاب

يأتي ذلك في خطٍ متوازٍ مع الجهود الوطنية المبذولة في سياق مكافحة الإرهاب، ومن بينها على سبيل المثال تدابير المكافحة في دول عربية مثل مصر التي حظت بإشادة أممية في تقرير صدر في الشهر الثاني من العام، تطرق لدور عمليات مكافحة الإرهاب التي نفذتها الحكومة المصرية في الحد من نشاط التنظيمات الإرهابية في مصر منذ عام 2019.

وعربياً أيضاً بزغت الجهود التي تقودها الإمارات في مجلس الأمن؛ من أجل مكافحة الإرهاب وتطوير الاستراتيجيات الرامية لمواجهته. وذلك علاوة على التدابير الإقليمية البارزة في العام الجاري، المتصلة بزيادة تبادل أفضل الخبرات والممارسات بين الدول ووكالات الأمم المتحدة والدول الأعضاء في التحالف الدولي لهزيمة داعش، بجانب زيادة تدابير مكافحة تمويل الإرهاب، والتي انعكست على تراجع مصادر تمويل الجماعات الإرهابية بشكل نسبي.

جنباً إلى جنب مع تدابير المراكز المختصة بتعقب النشاط الإرهابي عبر وسائط ومنصات التواصل، على غرار جهود المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف اعتدال وغيرها من المراكز والمنصات ذات الصلة.

كما شهد العام انعقاد قمة جدة للأمن والتنمية في (يومي 15 و16 يوليو) بمشاركة قادة دول مجلس التعاون والرئيس الأمريكي، إضافة إلى مصر والعراق والأردن، والتي كان من بين مخرجاتها الاتفاق على ضرورة تعزيز الجهود الإقليمية والدولية الرامية لمكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، ومنع التمويل والتسليح والتجنيد للجماعات الإرهابية من جميع الأفراد والكيانات.