لبنان والمونديال.. وقت ضائع بين الشوطين

ت + ت - الحجم الطبيعي

مع بدء «حبس الأنفاس» حيال الصراع على الكرة الصغيرة، الذي بدأ اليوم الأحد بين فرق أعدت نفسها للتحدي الكبير، أصيب اللبنانيون الذي منوا النفس بأن يشاهدوا المباريات المنتظرة على شاشة تلفزيونهم الرسمي بخيبة أمل.

ذلك أن المفاوضات بين حكومة تصريف الأعمال وبين الجهات المكلفة بتأمين نقل المباريات لم تتوصل حتى الآن إلى نتيجة إيجابية، إذ ثمة صعوبات وتعقيدات كثيرة لا تزال تعتري المفاوضات الجارية، لا سيما لجهة دفع الأموال اللازمة بطريقة قانونية «لا تسبب لنا إشكالات في المستقبل»، وفق ما نقل عن وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال زياد مكاري قوله، مع إشارته إلى التوصل لاتفاق مع مجموعة قنوات «بي آن سبورت» لنقل معظم مباريات كأس العالم لكرة القدم بشكل مجاني، إلا أن المشكلة تكمن في عدم قدرة مجلس الوزراء على الاجتماع لاتخاذ القرار بدفع الأموال بشكل رسمي، و«نحن، كدولة، لا نستطيع دفع أموال من دون مجلس الوزراء»، مع ما يعنيه الأمر من ضرورة إيجاد «فتوى» في هذا الشأن.

وفيما حرارة اللعبة الديمقراطية في بلدهم هي تحت الصفر، أنشد اهتمام اللبنانيين إلى اللعبة الكروية ذلك أن «كأس العالم، المتاحة صورة للقبائل التي تعيش في مجاهل أفريقيا، تبدو عصية على إدخالها إلى بيوت اللبنانيين»، وفق تعبير الشاب الجامعي مجد (19 عاماً)، والذي اختصر المشهد في لبنان بقوله لـ«البيان»: «تقاطع التسويف الرسمي مع الاستهتار ومع تذاكي المعنيين في القطاع الخاص، في خضم الأزمة الاقتصادية التي لا تطاق»، ما أدى إلى «حرمان شعب بأعمه الأغلب من المتابعة لهذا الحدث الذي قد يلهيهم من مآسيهم اليومية التي تتلاعب بهم، فتركوا لتلاعب الشركات وموزعي الكابلات»، و«قد يفتح للمونديال أيضاً سوق سوداء!».

ومن بوابة مساعي الحل «المستمرة» لتأمين نقل المباريات، بحسب تأكيد معنيين في وزارة الإعلام و«تلفزيون لبنان» لـ«البيان»، فإن المؤسف يتمثل في كون الأزمة متوقفة على دفع نحو 4 ملايين دولار، حتى ينال التلفزيون الرسمي حق البث على الأراضي اللبنانية، فيما «لا من يتبرع أو يستثمر بهذا الحدث الذي قد يكون مردوده أضعاف ما يدفع»، وفق تعبير أحدهم، مع إشارته إلى أن ما يهم اللبنانيين هو جواب واحد على سؤال واحد: هل سنشاهد كأس العالم، أين، كيف، وبأي كلفة؟

أما الجواب حتى الساعة، فمرتبط بكون قرار صرف أموال تغطية النقل المباشر يعود لمجلس الوزراء، المفترض أن يجتمع وأن يتخذ قراره بإجماع كل وزرائه. أما على الجانب الآخر، فلبنانيون معتادون، مع حلول موعد كأس العالم، على ارتداء «طاقية الإخفاء»، يرحلون عن مرارة الحاضر الذي يتخبطون فيه، ليحلوا في مربع أخضر يضج بالهتافات. يعزلون أنفسهم عن بلد المصائب، ليلاحقوا بكل الجوارح كرة صغيرة تنتقل بين الأقدام وتحول الملعب الأخضر مساحة خارج الزمان والمكان. وذلك، في سياق محطة تجترح معجزة توحيدهم وتتعالى على انقساماتهم وترافق كل أحداثهم، علماً أن الحدث الكروي العالمي لم يحجب تفاقم المناخات السياسية، التي شهدت احتقانات متزايدة بشكل لافت خلال الساعات الأخيرة، بما أخضع مسار أزمة الفراغ الرئاسي، معطوفاً على مسار واقع حكومة تصريف الأعمال القائمة، لفائض من التخبّط والعشوائية والغموض.

وتبقى الإشارة إلى أن العيد الـ79 لاستقلال لبنان سيمر، بعد غدٍ الثلاثاء مروراً «قاتماً» في المشهد ككل.

وهكذا، وقف اللبنانيون مشجعين من بعيد، زينوا شوارعهم بالأعلام، وجلسوا على شرفاتهم ينتظرون، تماماً كالوقت الضائع بين شوطين، قراراً من الشركة الحصرية الناقلة للمونديال بالسماح للتلفزيون الرسمي نقل المباريات، فيما وصل نجيب ميقاتي إلى الدوحة، بالإنابة عن كل اللبنانيين بالحضور في استاد «البيت الرياضي» ممثلاً الدولة بحكم تصريف الأعمال.

أما وزارة السياحة، وجدت فرصتها في فرض «الخوات» على اللبنانيين، وأصدرت بياناً سمحت فيه للمؤسسات السياحية التي ستنقل المباريات باستيفاء رسم دخول عن كل شخص، وتركت لكل مؤسسة تحديد السعر المطلوب.

وعليه، أصبح للكرة سوق سوداء موازية لفلتان أسعار الصرف، وباتت متابعة اللعبة الشعبية حكراً على المقتدرين، وباباً للاستثمار المربح في الشغف الكروي الشعبي.

فهل سيكون تعطش اللبنانيين لمشاهدة لعبة الشعوب، في عز معاناتهم وإصابتهم بلعنة الحظ العاثر، الفرصة الذهبية للعودة إلى عقد جلسات للحكومة في ظل الفراغ الرئاسي الذي يطوي أسبوعه الثالث اليوم؟ أم أن واقع دولتهم البائس، الذي حال حتى الآن دون إنجاز الإجراءات اللازمة لنقل وقائع الحدث الكروي العالمي، سيدفعهم إلى «التنقيب» عن قناة تلفزيونية، عربية أو أجنبية، تمكنهم من متابعة هذا الحدث؟!

طباعة Email