وسط أجواء من «شدّ الحبال» و«حبْس الأنفاس»، انقضى أسبوع كامل على مغادرة رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال عون قصر بعبدا، إيذاناً بطيّ صفحة عهد، وضع البلد على سكّة الانقسامات، في حين أدخل الشغور في موقع رئاسة الجمهورية لبنان في خريف سياسي، تؤكد كل المؤشرات المرتبطة به أنه خريف مديد، في بلد بات مفتّت المفاصل، ومفتقداً للسياسة بمعناها الحقيقي، وهذا ما تبدّى بوضوح في التعاطي اللامسؤول مع المسعى الحواري الذي كان يؤسس له رئيس مجلس النواب نبيه بري، لانتشال الاستحقاق الرئاسي من قبضة المزاجيات المتقلبة والحسابات المتبادلة. وقد عبّر بري عن ذلك باعتذاره عن عدم السير قدماً بهذا التوجه، نتيجة «الاعتراض والتحفظ» التي قوبلت به دعوته من قبل البعض، وإن شدّد لاحقاً على أن التراجع عن فكرة الحوار «لا يعني نعي التوافق السياسي».
وفيما لا جديد تحت شمس الاستحقاق الرئاسي، سوى الجلسة الرئاسية الخامسة، المقرر انعقادها الخميس المقبل، فإن جرعة «تسهيل المرور» التي تلقاها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي من مجلس النواب، يوم الخميس الفائت، من شأنها، وبحسب تأكيد أوساطه لـ«البيان»، أن توسّع من دائرة تحركه، من خلال اجتماعات وزارية لتسيير الأعمال، من دون عقد اجتماعات للحكومة أو السيطرة على صلاحيات رئيس الجمهورية. علماً أن هذه الحكومة لا تزال تسيّر الأعمال منذ انتهاء انتخابات مايو الفائت، ولم تعقد أي جلسة لها.
وفي انتظار اللحظة الرئاسية المؤجلة، دخل لبنان مرحلة جديدة، بدأ احتسابها من مطلع الشهر الجاري، فيما يبدو البلد وكأنه أعاد عقارب ساعاته سنين إلى الوراء، عملاً بالنكد السياسي، ودخول الفراغ الرئاسي، مصحوباً بضياع دستوري، وما نتج عنها من تشابك بالتأويلات والاجتهادات، واشتباكات بالمواقف والبيانات.. فإلى أين تتجه الأمور في قابل الساعات والأيام؟
خياران.. وفكرتان
وعليه، بات لبنان أمام خيار من اثنين: سياسة الانتظار أو سياسة اتخاذ القرار، مع ما يعنيه الأمر من كون الانتظار له قواعده وأسسه وما قد ينتج عنه في انتهاز اللحظة والتقاط الفرصة المؤاتية، فيما لاتخاذ القرار فنون تقتضي الإقدام والإحجام والمناورة واللعب على المسرح. وما بين حدَّي الانتظار ولحظة القرار، أشارت مصادر معنية لـ«البيان» إلى فكرتين: الأولى ترتبط بإمكانية البحث عن تسوية مرحلية هدفها إدارة الأزمة وتمرير المرحلة بحدّ أدنى من الخسائر، وذلك وفق قاعدة التسويات القائمة. أما الفكرة الثانية، فهي التحضير لإعادة صياغة شاملة لتركيبة النظام، على أن تكون التسوية الرئاسية والحكومية وفق مقتضيات هذه الصياغة.
وجمعت مصادر نيابية متعددة لـ«البيان» على أن الغموض الواسع الذي يغلف آفاق الانتخابات الرئاسية ليس مرشحاً للتبدد في وقت قريب، بل أن التعقيدات الداخلية في شأنها مرشحة للتفاقم، وتمنع الاسترسال في أيّ توقعات متفائلة باستحقاق رئاسي يوفّر على اللبنانيين واقع الفراغ وتداعياته.
