تتوجه أنظار العالم اليوم إلى مدينة شرم الشيخ في مصر، حيث تنعقد (قمة المناخ) الدورة الـ27 لمؤتمر الأطراف (كوب27)، التي يُعول عليها في الانتقال من مرحلة «التعهدات» إلى مرحلة «التنفيذ».

في ضوء تفاقم تداعيات أزمة المناخ حول العالم، لا سيما في ما يتعلق بالبلدان النامية التي تشارك بنسبة محدودة في الانبعاثات، بينما تتكبد النسبة الأكبر من الخسائر والأضرار، مقارنة بالدول الكبرى المسؤولة عن 80 في المئة من الانبعاثات المسببة للتغير المناخي. 

تناقش قمة «COP 27» ملفات أساسية عدة؛ في مقدمتها: تمويل المناخ وخفض الانبعاثات، وإيجاد حلول لموضوعات التكيف، والخسائر والأضرار، وتعويض الدول النامية المتضررة من آثار التغيرات المناخية.

وتواجه قمة شرم الشيخ عدداً من التحديات، لا سيما تلك المرتبطة بـ «تمويل المناخ» كقضية جوهرية تفرض نفسها على المؤتمر في ظل عدم وفاء الدول الكبرى بتعهداتها السابقة بتقديم تمويل بقيمة 100 مليار دولار سنوياً لمساعدة البلدان النامية على التكيف والتخفيف. ويعتبر ملف «التمويل» في هذا السياق المحك الرئيس، والملف الأكثر إلحاحاً خلال «كوب 27»، إلى جانب ملفات التكيف والخسائر والأضرار وملف الطاقة.

لكنّ محللين مختصين بالقضايا البيئية، يعتقدون بأن الفرصة سانحة لإحداث تقدم في هذا الملف، وبشكل خاص في ظل معاناة الدول الأوروبية من تبعات التغير المناخي، والممثلة بشكل خاص في موجات الجفاف التي ضربت أنهاراً مثل الراين والدانوب، الأمر الذي ينقل القارة العجوز من مقعد المُشاهد لتبعات التغير المناخي بالبلدان النامية إلى مُتضرر رئيس وبشكل مباشر أكثر من أي وقت مضى.

تحدي التمويل

مستشار برنامج المناخ العالمي، الدكتور مجدي علام، يقول في تصريحات لـ «البيان» من القاهرة: إن ثمة أزمتين رئيسيتين تواجهان الملف الأبرز على طاولة «كوب 27»، وهو ملف «تمويل المناخ»؛ الأزمة الأولى مرتبطة بـ «حجم التمويل المتاح حالياً»؛ على اعتبار أن ذلك التمويل لا يمثل سوى 40 في المئة فقط من الالتزامات السابقة.

بينما الأزمة الثانية المتعلقة بالتمويل، هي «البيروقراطية البنكية» التي تُعطل نسبة من 12 إلى 13 في المئة من التمويلات المُتاحة، طبقاً لعدلي، الذي يشدد على ضرورة اضطلاع البنك الدولي بمسؤوليته إزاء ضبط ملف التمويل، عبر التوصل لصيغة مع المؤسسات الدولية والإقليمية.

بما يضمن وصول التمويل بشكل مُيسر للمستفيد الأول. والبنك الدولي هو أكبر ممول متعدد الأطراف للعمل المناخي في البلدان النامية، وقدم تمويلات في السنة المالية المنتهية في يونيو الماضي بقيمة 31.7 مليار دولار.

ويشير الخبير البيئي إلى أن مهمة وصول التمويل إلى المستفيد المناسب تأتي عبر عدة حلقات وسلاسل متصلة من المؤسسات، بما يزيد من الأعباء ونسب إدارة القروض والمنح الميسرة على المستفيد، علاوة على بقاء ذلك التمويل عرضة للفساد كما حدث في بعض البلدان.

وتعتبر مسألة وضع تدابير لمكافحة الفساد أمراً في غاية الأهمية في هذا السياق، وهو ما نبهت إليه المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والمدير العام لمكتب الأمم المتحدة في فيينا، الدكتورة غادة والي، التي ذكرت -خلال منتدى مصر للتعاون الدولي والتمويل الإنمائي- أنه يجرى التعامل مع مبالع ضخمة تبلغ بين 1.8 إلى 3 تريليونات دولار في أفريقيا.

ويشير علام إلى أنه «إن لم توقع الدول بجدية على خفض الانبعاثات بنسبة محددة سنوياً خلال (كوب 27)، فستكون الكوارث المناخية على أعلى مستوى.. التحرك الآن وإلا فلا!»، موضحاً أن الجهات المانحة عليها التحرك الآن بجدية وعدم جدولة مشاريعها في ضوء تنامي التهديدات المناخية، مع أهمية أن يتم التوقيع والتعهد خلال القمة على التزامات جادة ومشهرة في هذا الخصوص.

ويرى أن الدول الكبرى، لا سيما الدول الأوروبية، مدفوعة بالأزمة التي تواجهها في ما يخص تبعات التغير المناخي مثل جفاف الأنهار، حيث تواجه القارة أسوأ جفاف لها منذ 500 عام، من المتوقع أن تكون أكثر جدية من أي وقت مضى في تنفيذ تلك الالتزامات.

كما يستبعد إمكانية تأثير تداعيات أزمة الغاز ضمن تداعيات الحرب في أوكرانيا على تلك الالتزامات، على أساس أن أي اتجاه نحو الوقود الأحفوري هو اتجاه مؤقت مرتبط بالأزمة «وستسعى أوروبا –التي أعلنت استهدافها خفض انبعاثات الكربون بـ:55في المئة بحلول 2030- إلى التوسع في الجيل الجديد من المحطات النووية لتوليد الطاقة؛ باعتبارها الأنظف».

وللتعامل مع التحديات القائمة في هذا الإطار، أعدت مصر 15 مبادرة دولية تشمل النقل المستدام، وتدوير المخلفات، والانتقال إلى الطاقة النظيفة، والمدن المستدامة، وتدابير التكيف في قطاع المياه والزراعة، والسلام المناخي، والتكيف من خلال إجراءات صديقة للبيئة.

أجندة جديدة

ويلفت نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء بالأمم المتحدة، علاء النهري، إلى أن الدول الصناعية الكبرى تعهدت منذ العام 2009 ومروراً بمؤتمر باريس في العام 2015 وحتى «كوب 26» في غلاسكو بإنجلترا بتقديم تمويل للبلدان النامية تصل قيمته إلى 100 مليار دولار سنوياً لدعمها في سياق التكيف مع التغيرات المناخية، والتخفيف من الأزمة، فيما لم يتم الوفاء بتلك الالتزامات.

ويتابع النهري في تصريحات لـ «البيان»، قائلاً: هذا العام وفي قمة شرم الشيخ أعتقد بأن الدول الكبرى سوف تغير من أجندتها؛ لا سيما في ضوء أزمة الطاقة التي تواجهها أوروبا، وكذلك تفاقم تداعيات التغير المناخي، وموجة الجفاف التي ضربت الأنهار هناك، وظهور صخور الجوع لأول مرة منذ خمسة قرون، ما يُسرّع من اتجاهات أوروبا للالتزام بتلك التعهدات وتغيير أجندتها.

التحدي الثاني بخلاف تحدي «التمويل» الذي يطرح نفسه على مؤتمر الأطراف، هو تحدي الطاقة وإيجاد حلول لقضايا التكيف والتخفيف في هذا السياق، مشيراً إلى سعي دول العالم للتوسع في الطاقة النظيفة، بدءاً من الرياح والطاقة الشمسية ووصولاً للهيدروجين الأخضر وتوليد الكهرباء من الطاقة النووية، باعتبارها أهم وأبرز الحلول المتاحة.

قمة التنفيذ

ويؤكد استشاري التغيرات المناخية بالقاهرة، د. السيد صبري، الرئيس السابق لوحدة التغيرات المناخية بوزارة البيئة المصرية، على كون بلاده قد استعدت جيداً لتلك القمة، والتي يُنظر إليها باعتبارها «قمة التنفيذ» في ما يخص التعهدات المرتبطة بالعمل المناخي، مشدداً على أن القاهرة تقود الدول الأفريقية والبلدان النامية في المفاوضات المرتبطة بالمناخ، لا سيما وأن تلك الدول هي الأقل من ناحية انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري بينما تتعرض للمخاطر الأكبر.