يحظى الوطن العربي بثروات طبيعية ومالية وبشرية ضخمة ومهمة، سواء من ناحية تنوعها أو كمياتها، ووحدة جغرافية، في منطقة تتميز بمركزها الاستراتيجي المتوسط بين الشرق والغرب، ويضمها تاريخ مشترك ولغة واحدة، ما يمكّنها أن تصبح قوة اقتصادية كبيرة تؤدي دوراً مهماً في الاقتصاد العالمي بقيام تكامل اقتصادي بينها. 

إن التكامل الاقتصادي يعني أن تقدم دولة للأخرى ما تحتاجه من عناصر تنقصها لتعزيز عملية الإنتاج الاقتصادي بينهما، وقد تكون العلاقة في هذا الإطار متكافئة.

كما هي الحال في التحالفات والتكتلات الاقتصادية التي تنشأ بين الدول المتقدمة، مثل حالة دول أوروبا الغربية؛ أو غير متكافئة، كما تظهر في حالة التكامل بين الدول المتقدمة والدول النامية مما يدفع علاقات التكامل الاقتصادي إلى الأمام، سواء أكانت مؤسسية، أم اتفاقيات، أم علاقات تبادل تجاري واستثمارات مشتركة.

وغني عن القول إن التكامل الاقتصادي العربي ضرورة ملحة ليس فقط من أجل تطوير وتنمية الاقتصادات، وإنما لمجابهة الأزمات والوقوف في وجه أي تهديد قادم، إذ إن المنطقة مقبلة على مجموعة من التغيرات الحاسمة، والمشاريع العربية الكبرى المشتركة التي تحمل تأثيرات مهمة لمستقبل آمن.

ويرى نائب رئيس الوزراء الأردني الأسبق للشؤون الاقتصادية، د.جواد العناني، أن هناك دافعاً من أجل إنجاز التكامل والتعاون من أجل مواجهة التحديات التي تواجه العرب، وهي ثالوث الطاقة والمياه والغذاء، وبالتالي فإن التعاون يعد ضرورة وجودية للعالم العربي، وبالنسبة للأردن فإنه يحرص تاريخياً على علاقات متوازنة مع الأشقاء.

العناني يتوقع أن تشهد المنطقة مجموعة من التحولات على صعيد التكامل الاقتصادي، وأن تتكلل هذه الجهود بالنجاح، وأن تبرز في الأردن مشاريع للأمن الغذائي مع التركيز على قطاعي الزراعة والإنتاج الغذائي، وأخرى تختص بالصناعات الإنشائية وما يتعلق بإنتاج مواد البناء، وعمل أنواع جديدة تتناسب مع التطور المعماري، وما يتطلبه ذلك من منتجات عقارية حديثة، فضلاً عن التوجه للمشاريع السياحية الضخمة، وبخاصة في منطقتي البتراء ووادي رم.

وأضاف العناني في تصريحات لـ«البيان» أن الأردن مؤهل لأن يصبح مركزاً إقليمياً على الصعيد اللوجستي في ما يتعلق بتوزيع السلع وسلاسل الإمداد، وأن يصبح نقطة ارتكاز لربط السكك العربية ببعضها البعض، إضافة إلى صناعات الطاقة المتجددة وإعادة التدوير والصناعات الطبية، وغيرها من المجالات.

منهجية راسخة

وبحسب رئيس مركز الدستور للدراسات الاقتصادية، عوني الداوود، فإن الأردن ينظر للتكامل الاقتصادي العربي باعتباره منهجية راسخة وسياسة معتمدة، وقد ركز عليها العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني خلال مقالات ومقابلات نشرت في وسائل إعلام عالمية، حين تحدث مراراً عن ضرورة إعادة ضبط العولمة، وأهمية التكتلات الاقتصادية، معتبراً أن دول العالم لن تستطيع مواجهة الأزمات بشكل منفرد مهما أوتيت من قوة.

ففي عام 2019 برز تحالف الأردن مع مصر والعراق، ومن ثم توسع ليضم لاحقاً دولاً أخرى، في سبيل تحقيق التكامل الإقليمي الصناعي الذي يقوم على خمسة محاور، فضلاً عن تكامل الأردن في ما يتعلق بالقطاع الزراعي بينه وبين العراق وسوريا ولبنان. وفي الجهة الأخرى اتفاق الأردن مع السلطة الفلسطينية لتسويق المنتجات الزراعية.

يعلق الداوود بالقول إن تحقيق التعاون والاندماج يأتي بالتوازي مع إطلاق الأردن رؤية التحديث الثلاثية (السياسية والاقتصادية والإدارية)، التي تتضمن التأكيد على تحقيق هذا الهدف من خلال جذب استثمارات بحوالي 41 مليار دينار أردني (حوالي 58 مليار دولار) خلال العقد المقبل، وهذا لن يتأتى إلا من خلال مشاريع إقليمية مهمة.

مقومات الأردن

واتفق العناني والداوود على أن الأردن يمتلك مقومات يمكن البناء عليها، أهمها الموقع الجيوسياسي، حيث لا يمكن لأي مشروع إقليمي أن يتجاوز الأردن، باعتباره حلقة وسطى تربط بين دول المنطقة، ما يؤهله لأن يكون مركزاً إقليمياً للعديد من المشاريع، أبرزها مشاريع الأمن الغذائي، الربط الكهربائي، التزود بالطاقة، الطاقة المتجددة وإنتاج المياه، وغيرها.

وفي الأردن كذلك ثروة بشرية متعلمة وقابلة للتدريب بما يتناسب مع حاجة الأسواق، فضلاً عن الملكات الإدارية القادرة على إنجاح الرؤى الاقتصادية.

إضافة إلى تمتع المملكة بنعمة الأمن والاستقرار، التي استطاعت الحفاظ عليها في أصعب الأوقات، علاوة على أن التشريعات الناظمة للعملية الاستثمارية في الأردن محفزة وتناسب التطلعات، وأخيراً ما يتعلق بالاتفاقيات التجارية الموقعة بين الأردن وكل من الولايات المتحدة وكندا وشمال أفريقيا وغيرها من الدول التي ستساعد في فتح الأبواب ومساندة العملية التجارية.

الأردن يمتلك ثروات في باطن الأرض، فهو يعد خامس أكبر دولة منتجة للفوسفات، وسابع أكبر دولة في إنتاج البوتاس على مستوى العالم، إضافة إلى امتلاكه الرمل والصلصال والكاؤولين وغيره من الأساسيات للصناعات الزجاجية والسيراميك والكريستال.

وأكد الداوود أن هذا التكامل تم تجسيده بقوة سياسية واقتصادية في قمة جدة للأمن والتنمية، التي ركزت على أهمية المشاريع الإقليمية، باعتبارها مفتاح المستقبل للمنطقة، وهذه المشاريع لاقت اهتماماً ودعماً من الولايات المتحدة وأوروبا. ويعد الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي حول ترسيم الحدود البحرية جزءاً من منظومة التكامل الاقتصادي، حيث سيفعل سريعاً مشاريع عدة.

وأشار الداوود إلى أن هذا التكامل (6 + 3) أي دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر والعراق، هو من أهم التكتلات، حيث يمثل تكتلاً سكانياً يقارب 217 مليون نسمة، وتكتلاً اقتصادياً بناتج إجمالي يقدر بـ2.22 تريليون دولار، ويعد ثامن أقوى اقتصاد في العالم، حيث تحتوي هذه الدول على أكثر من نصف احتياطي النفط العالمي، ونصف احتياطي الغاز، ولديها أهم 3 معابر للتجارة العالمية.

استراتيجيات موحدة

يتطلب تفعيل العمل الاقتصادي العربي المشترك تحديد استراتيجية اقتصادية موحدة. وبيّن اقتصاديون أردنيون أن جزءاً من هذا التكامل موجود على أرض الواقع، لكنْ ثمة طموح بأن يتوسع أكثر، فمثلاً المنطقة الاقتصادية الحرة المشتركة بين الأردن والعراق ومصر تم وضع حجر الأساس لها، وتم إطلاق مشروع ربط كهربائي بين العراق والأردن.

يقول عضو اللجنة الملكية للتحديث الاقتصادي، د. رعد التل، إن الأردن ينظر للتكامل باعتباره ضرورة وطنية ملحة، ومن خلاله سيتم خلق أسواق كبيرة ذات ميزات تنافسية عالية للمنتجين.

وأيضاً للمستهلكين، وهذا سوف يخدم التجارة البينية بين الدول، ويسهم بشكل تلقائي في تحسين صادرات القطاع الصناعي وإنتاجيته، وسيكون له تأثير مباشر على الاقتصادات، حيث سيعمل على زيادة النمو وخفض معدلات البطالة، وغيرها من المؤشرات الاقتصادية المهمة.

التكامل تحصين

ويرى الأردن أن التكامل الاقتصادي العربي يخدم المملكة ويستفيد منها. وسبق لرئيس مجلس الوزراء الأردني، الدكتور بشر الخصاونة، أن تحدث في مايو الماضي عن آفاق التكامل الاقتصادي في القطاع الصناعي بين الدول العربية، لتخفيف آثار الصعوبات الاقتصادية ومشاكل سلاسل التوريد.

وأشار في حديثه آنذاك لقناة «العربية» إلى النظر لبعض المشاريع المرتبطة بالتكامل في مجال الأمن الغذائي، والصناعات الدوائية، وتجارة الأسمدة التي تشكل لبنة اليوم لتوفير الأمن الغذائي.

لأنها تسمح بالتوسع الزراعي لمنتجات أساسية باتت أسعارها مرتفعة كثيراً بفعل الأزمات الدولية والخلل في سلاسل التوريد، إلى جانب الصناعات المستدامة والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والاستثمار في مجال الألبسة والمعادن والسيليكا. واعتبر أن التكامل الاقتصادي يضع الأردن في موقع محصن ضد الأزمات التي تؤثر على سلاسل التوريد.