من بوابة العدّاد الزمني التاريخي الذي أرساه، وشكّل اختراقاً لدى التوصل إليه قبل فترة قصيرة، وبعدما رمت الولايات المتحدة الأمريكية بثقلها لإنجاح وساطتها، عبر كبير مستشاريها الاستراتيجيين في مجال الطاقة آموس هوكشتاين، وتمكنت في لحظة تقاطع مصالح نادرة واستثنائية من إحداث الاختراق الكبير، بلغ مسار اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل محطته الرسمية النهائية، أمس، في حدث شهده مقرّ قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان «اليونيفيل»، في منطقة الناقورة الحدودية، إيذاناً بسريان هذا الاتفاق التاريخي، وإن في غياب المظاهر الاحتفالية.
ولعلّ المفارقة اللافتة التي واكبت «اليوم التاريخي»، تمثلت في أن حدث الترسيم اخترق، بطبيعته الاستثنائية، اللحظة التي يجتازها لبنان قبل 3 أيام فقط من يوم مغادرة الرئيس ميشال عون قصر بعبدا الأحد المقبل، إيذاناً بنهاية ولايته في اليوم التالي، فيما ثمة إجماع داخلي على أن عهداً جديداً سيبدأ مع إقرار الترسيم، ما يفتح الأفق اللبناني، وفق تأكيد مصادر معنية لـ«البيان»، على عهد مختلف يرتكز على عاملين: الاستقرار والازدهار.
محطة استثنائية
وبهذا المسار، وبالتزامن مع نهاية العهد الحالي، أنهى لبنان تفاوضاً مع إسرائيل، عبر الوساطة الأمريكية وبرعاية أممية، بدأه منذ نحو 10 سنوات. ذلك أن المشهد في الناقورة، وبصرف النظر عن شكليّاته، كان، بحسب تأكيد مصادر سياسية متعددة لـ«البيان»، بمثابة محطة استثنائية في تاريخ لبنان، ومنها ينطلق الوضع إلى ما بعدها، حيث لا يكون كما كان قبله، بمعنى أن التنقيب والاستخراج يحتاج إلى استقرار، وربما هذا هو المعنى الحقيقي لاتفاق 11 من الجاري، والذي تمّ توثيقه أمس. أما الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين، ووفق المصادر نفسها، فـ«قطف» ثمار وساطته بين بيروت وتلّ أبيب، في نجاح لأول وسيط أمريكي بين العاصمتين منذ العام 1982.
وغداة وصوله إلى بيروت، سلّم الوسيط الأمريكي المسؤولين اللبنانيين نصّ مذكرة الترسيم الأمريكية، التي تمّ التوقيع عليها من قبل كل من الجانبين اللبناني والإسرائيلي في «الناقورة»، بإشراف أمريكي ورعاية أممية، بحيث سيصبح الاتفاق ساري المفعول، على أن تبدأ عمليات التنقيب أو استخراج الغاز على جانبي الحدود المرسّمة. وهنا، يجدر التذكير بأن اتفاقية الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل كانت «أبحرت» بين خطوط الطول والعرض، إلى أن رست بنودها على اتفاق الطرفين بإنشاء خطّ حدودي بحري، على أن ينطلق الترسيم من الحدود البحرية الواقعة على الجانب المواجه للبرّ، ومن دون المساس بوضع الحدود البرية. ولحين تحديد تلك المنطقة، يتفق الطرفان على إبقاء الوضع الراهن بالقرب من الشاطئ على ما هو عليه، بما في ذلك «خطّ العوامات» البحرية الحالي. كما حددت الاتفاقية ما لكلّ طرف وما عليه، وفيها حصّن لبنان حقوقه في حقل «قانا» كاملاً، على أن تبدأ أعمال التنقيب في المكان المحتمل فور دخول هذا الاتفاق حيز التنفيذ.
اتفاق
وهكذا، ومن دون جبهات مفتوحة، وقّع لبنان اليوم على اتفاق ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل، وهو أول اتفاق من نوعه في تاريخ الصراع بينهما، وتحديداً منذ «اتفاق 17 أيار/ مايو»، الذي رفضه مجلس النواب حينها في صيف عام 1983. ذلك أنه، ومنذ ذلك التاريخ، لم تمرّر ورقة واحدة تلزم لبنان بالتفاهمات مع إسرائيل، ما خلا تفاهم أبريل (1996) الذي أخمد «عناقيد الغضب» الإسرائيلية وحفظ للبنان خطّه الناري. أما على المقلب الآخر من الصورة، فأبقى هذا الاتفاق «التاريخي» على نقاط البرّ خطوطاً منفصلة لم يشملها.
