السويداء.. مدينة تحمل عراقة الرومان والحضارة الإسلامية

ت + ت - الحجم الطبيعي

أمام معبد روماني قديم، يتحلق المئات من الزوار وهم يتأملون الحضارة الرومانية على أرض عربية جنوب سوريا في مدينة السويداء، الواجهة السوداء لهذه الآثار بقيت محافظة على شكلها على الرغم من مرور آلاف السنين، أما الأعمدة فهي مازالت تحمل الزخارف الرومانية على واجهة المعبد التاريخي في مدينة قنوات المعروفة في المحافظة.

حالة من الصدمة تقدمها قنوات لزائرها فالآثار منتشرة في كل مكان متداخلة مع الطبيعة القاسية للمنطقة الشهيرة بانخفاض درجات حرارتها بشكل قاس في الشتاء، ومتعانقة مع غطاء نباتي من أشجار البطم، والتفاح والعنب، ولأن زيارتنا كانت في الشتاء فكان من الضروري التسلح بأحذية سميكة ومعطف سميك أيضاً لتجنب البرودة القاسية في المكان، كما كان من الطبيعي أن يقتصر التواجد على أفراد من سكان المنطقة، خاصة وأن الغرباء باتوا يتجنبون هذه المحافظة بشكل عام مع ازدياد حوادث الخطف.

يعود هذا المكان للعصور الحجرية الوسيطة والحديثة، وأن الإنسان القديم سكنها وأقام فيها، واستقرَّت فيها موجات من الهجرة قادمة من شبه الجزيرة العربية، ومن أكاد، آمور، كنعان، آرامية، آشور، بدءاً من الألف الثالث قبل الميلاد، ولم تسلم من الغزو إذ دخلها الغزو السلوقي والبلطمي ثم الروماني والبيزنطي، وانتهى التواجد البيزنطي مع الفتوحات العربية الإسلامية عام 635 ميلادياً.

تغير الملامح
التواجد الإسلامي والعربي الطويل في السويداء وتعريبها لم يفقداها تاريخها البيزنطي والروماني، فالآثار مازالت موجودة وكأن سنوات قليلة مرت على مغادرة هؤلاء وليس قرون عديدة، فمعبد هليوس المخصص لعبادة إله الشمس والمبني في القرن الثاني الميلادي، مازال موجوداً حتى اليوم، هو فقد كثيراً من الأعمدة وتغيرت بعض ملامحه كما تغير الإله الذي يُعبد فيه، لكنه بقي صامداً لليوم، ومن المعابد في المنطقة معبد زوس إله السموات، ومعبد أثينا اللات وهي إلهة الحكمة، ومعبد إلهة المياه، وكان يبقى داخله مملوءاً بالمياه لأشهر عدّة كي يستمرّ تقديس إلهة المياه، أما خامس المعابد فهو معبد «الأوديون»، وهو عبارة عن مسرح صغير الحجم بقي منه اليوم تسع درجات بعضها محفور في الصخر.

قنوات التي استقبلت الكثير من الوافدين والغزاة عبر تاريخها، استقبلت أيضاً ديانات ورسالات عديدة، ورغم أن غالبية السكان فيها اليوم - وفي السويداء عامة - هم أبناء الطائفة الدرزية، لكن ثمة حضوراً قوياً للمسيحية وهو حضور ضارب في التاريخ، إذ شغلت في العصر البيزنطي مركزاً أسقفياً ارتبط بأنطاكية، وشكّلت مركزاً مهماً للحجّ المسيحي إلى جانب مدينة السويداء، ولهذا نجد الكثير من الكنائس ولعل أبرزها، الكنائس البازلتية وهي معلم مهم في المنطقة، وتقع ضمن مجموعة الكنائس المعروفة باسم «السراي»، وكان الدخول إليها يتم من الجهة الغربية عن طريق مدخل كبير له ثلاثة أبواب.

الكنيسة الكبرى التي تمتد إلى منازل الأهالي تعطي انطباعاً بالعمق التاريخي لهذه المدينة، حيث تمتد أجزاؤها تحت المنازل الواقعة إلى الشرق، ويرجع تاريخ بنائها إلى القرن السادس الميلادي، ولا تزال في أرضية مدخلها فسيفساء ملوّنة ذات نقوش هندسية مسجلة بقسميها الشرقي والغربي، أما قسمها الغربي فهو مختفٍ تحت المنازل ويظهر على الشارع المحوري، وعلى أحد جدران مدخلها كتابة يونانية تفيد بأن «سالومي» والدة الأسقف «جورج» قد تبرّعت ببناء هذه الكنيسة.

حضور اجتماعي
بعيداً عن التاريخ الديني للمدينة، اشتهرت بحضور اجتماعي واقتصادي عبر تاريخها، فالرومان مثلاً جعلوها منذ عام 60 قبل الميلاد واحدة من أهمّ المدن العشر القديمة، ولهذا انتشرت فيها الحمامات والفنادق، وحتى اليوم مازالت الآثار شاهدة على هذا الأمر وتحكي الحمامات القديمة حكايا ناس استحموا لعقود في هذه المنطقة في القرن الثاني الميلادي، ولكن للأسف تهدم جزء كبير من هذه الحمامات كما تدمرت أبواب المدينة، فلم يبق منها سوى الباب الغربي المقابل لتجمّع «السراي».

في الجنوب السوري وخصوصاً في محافظة السويداء، يمكن رؤية التمازج الثقافي بين الغرب والشرق على الرغم من مرور آلاف السنين، إذ بقي التاريخ خالداً في هذه المنطقة، برغم كل المتغيرات التاريخية في هذه المنطقة، ذلك أن التاريخ هنا في السويداء يبقى يرسم لوحة التواصل بين الغرب والشرق.

 

طباعة Email