اقتحام المصارف في لبنان.. أزمة عابرة أم مسلسل مستمر

ت + ت - الحجم الطبيعي

«المال المسروق علم الناس الحرام».. بهذه العبارة، اختصرت إحداهن لـ«البيان» ما آل إليه مشهد المودعين أمام المصارف في أكثر من منطقة لبنانيّة للمطالبة بأموالهم، بحيث شهدت الأيام الأخيرة بدء «حرب تحرير الودائع»، وتنقلها بين المصارف في بيروت وعدد من المناطق، مع توعد جمعية «صرخة المودعين» بانتشار هذه الظاهرة في الأيام المقبلة.

وفي ضوء ما جرى، وما يمكن أن يجري، في هذا السياق، فإن ثمة إجماعاً على أن المنظومة الحاكمة تلقت «صفعة» جديدة، من بوّابة اقتحام اللبنانيين المصارف في أكثر من منطقة للمطالبة بأموالهم، إذ «فلت الملقّ»، كما يُقال، وذلك بالتزامن مع ارتفاع منسوب السؤال المرتبط بهذا الشأن، ومفاده: هل الأمر مصادفة، أم ثمة خطة مدبرة لإدخال البلد في الفوضى؟ مع ما يعنيه الأمر في حسابات الكثيرين من أن الطبقة الحاكمة هي المسؤولة، إذ «زرعت الريح، فحصدت العاصفة»، وخصوصاً أن البلد، المحتجز بأهله وخياراته وخيراته، كما ودائع مواطنيه، بات على «كف عفريت» ومتروكاً لقدره بقرار غامض.

وفي المطلق، وبحسب إجماع مصادر معنية لـ«البيان»، فإن لا حادث يقع مصادفة، فكيف إذا كان هذا الحادث بمستوى اقتحام مصارف واحتجاز موظفين رهائن والمطالبة بودائع، في مواعيد متقاربة؟ أما ما جرى ويجري، وبحسب المصادر ذاتها، هو النتيجة الطبيعية لـ«تخاذل» السلطة ووضعها المودع وموظف المصرف وجهاً لوجه، وهي التي تركت الأمور على غاربها منذ 17 أكتوبر 2019.. فـ«عن أي خطط وقوانين نتحدث، في دولة لم تكن مؤتمنة على فلس أرملة، واختلف مسؤولوها على كل التشريعات المالية، وافتعلوا الجرائم في خطة التعافي، وضمنوا الحلول صندوقاً سيادياً يشرف على سرقة صناديق المؤسسات الرسمية، وهؤلاء أنفسهم تربصوا لبعضهم كالجبهات وتصارعوا مع صندوق النقد وأقاموا الحواجز أمام إقرار الإصلاحات، كما لم يشكلوا حكومة للخروج من تحت الأنقاض»، يسأل الرجل الستيني أبو عماد، مستعرضاً بأسئلته ما آلت إليه الأحوال، ولافتاً إلى أن الدولة، بإهمالها واجباتها، فوضت الحل للشارع، ودفعت باللبنانيين إلى انتزاع الحق بالقوة، وإلى استخدام أساليب ما كانوا ليلجؤوا لها، بعد نحو 3 أعوام من الأزمة القائمة، لو أن في الحكم من استشعر الخطر وجمع قواه للحل. أما الجهة التي حركت هؤلاء ودستهم نحو «الفعل الجرمي»، وفق تعبيره، فـ«آلام وأوجاع مزمنة، مرضى لم يعد في مقدورهم متابعة العلاج، طلاب حُرموا من جامعات ومدارس، ومواطنون ما عادوا يحتكمون على أجرة طريق وبدل منازل».

هكذا، وبعد نحو 3 سنوات على اندلاع «ثورة 17 أكتوبر»، عانى خلالها اللبنانيون الأمرين ذلاً ومهانة على أعتاب المصارف، طلباً لأموالهم المنهوبة والمحجوبة، وبعدما مات من مات من المودعين، أو أضحى طريح فراش الموت دون أن يستحصل على أمواله، أو أقله تكلفة علاجه، وصل فتيل الأزمة إلى لحظة الانفجار الحتمي والصدام المباشر بين المودع ومصرفه، إذْ توالت الأحداث المتفرقة وتدحرجت الأمور، وصولاً إلى مشهد الجمعة، التي بدت أشبه باندلاع «ثورة مودعين» عازمين على استرجاع جنى أعمارهم، ولو بالقوة، إذ تداعى مودعون إلى اقتحام فروعهم المصرفية، متسلحين بما تيسّر من مسدسات بلاستيكية وعبوات بنزين، فنجح معظمهم في تحرير دولارات نقدية من حساباتهم المجمّدة، وانتزاع شيكات مصرفية بالجزء المتبقي منها. أما على الجانب الآخر فكلام عن أن منظومة السلطة استنفرت وسارعت إلى شد أزر المصارف والتكاتف معها في مواجهة المودعين، بغية إحباط فورتهم وإخماد ثورتهم، من خلال تسخير الأجهزة الأمنية والقضائية في زجر واعتقال من تسوّل له نفسه محاولة استعادة حقوقه المسلوبة من البنوك، متغاضية عن حقيقة أن من بين من اقتحموا المصارف ضابطاً، برتبة ملازم أول في الجيش، أخرجه العوز من بزّته العسكرية، ودفعه إلى الإقدام على خطوته اليائسة. وعليه، فإن ثمة إجماعاً على أن ما يجري على ساحة المصارف ليس «نوبة عابرة»، بل ستتوالى حتماً حلقات متنوعة من مسلسل استرداد الودائع في الآتي من الأيام.

طباعة Email