سيول وفيضانات وجفاف.. السودان في قلب التغيرات المناخية

ت + ت - الحجم الطبيعي

خلفت السيول والفيضانات التي ضربت 16 ولاية «محافظة» سودانية، من جملة 18، وهي عدد ولايات البلاد، مئات الضحايا ما بين قتيل ومصاب، بجانب تدمير عشرات الآلاف من المنازل والمرافق الحكومية، بجانب خروج مئات الآلاف من الأفدنة من الأراضي الزراعية عن دائرة الإنتاج.

واللافت هذا العام، هطول أمطار غزيرة في ولايات سودانية، لم تكن في السابق داخل حزام الأمطار، مثل ولايتي نهر النيل والشمالية، حيث غمرت مياه الأمطار آلاف المنازل هناك، كل تلك الكوارث، يرجعها خبراء إلى التغيرات المناخية التي يشهدها عالم اليوم. 

فالكوارث الطبيعية من سيول وفيضانات وجفاف وغيرها، التي يشهدها السودان، يعتبرها المختصون بمثابة جرس إنذار، يستدعي من السلطات الحكومية الانتباه، لا سيما أن جميع بلدان القرن الأفريقي.

معرضة لتلك المخاطر، ويسعى السودان من خلال رئاسته للدورة الحالية للهيئة الحكومية للتنمية لدول شرق أفريقيا (ايغاد)، إلى تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية لمجابهة التغيرات المناخية، من خلال وضع استراتيجيات مشتركة بين دول الإقليم التي تعاني الهشاشة والتغيرات المناخية التي انعكست على القطاعات الاقتصادية والتنموية، لا سيما الزراعة والمياه والصحة. 

وشددت الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية في السودان، د. منى علي محمد أحمد، خلال الاجتماع الوزاري لدول الايغاد، الذي انعقد أواخر أغسطس الماضي، بمدينة مومبسا الكينية، على ضرورة دعم الاستراتيجية الإقليمية لتغير المناخ، وإيجاد التمويل اللازم لتنفيذها، وحضت الدول الأعضاء على استقطاب الدعم، والعمل على إدماج مضامين الاستراتيجية في السياسات والبرامج والخطط القومية، كما دعت للعمل على تقوية الشراكات، وبناء القدرات الفردية والمؤسسية لدول الايغاد.

وأكدت المسؤولة السودانية، حرص بلادها للمصادقة على الاتفاقية الإطارية لتغير المناخ، وذلك لتأثر السودان الواضح بالظاهرة، وانعكاساتها المتعددة على معظم قطاعات التنمية، بما في ذلك انخفاض إنتاجية المحاصيل، وانتشار الأمراض، وموجات الجفاف، والسيول المتكررة، والصراع القائم على الموارد، وما يتبعه من هجرة ونزوح، ولفتت إلى التزام السودان بتنفيذ تلك الاتفاقية بشكل فاعل.

وكشفت عن خطة للتكيف مع التغيرات المناخية، يجري الإعداد لها، بجانب استراتيجية وطنية للتكيف مع آثار تغير المناخ، وإعداد تقارير الاتصال الوطنية لاتفاقية تغير المناخ، بجانب إعداد تقارير تحديد المساهمات الوطنية، من خلال نهج تشاركي مع الجهات المعنية على المستويين (القومي والولائي)، ودمج اعتبارات تغير المناخ في التخطيط التنموي والاستراتيجي، فضلاً عن تنفيذ المشروعات لتعزيز المرونة.

والتكيف مع آثار تغير المناخ، أما الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية في السودان، د. منى علي محمد أحمد، فاعتبرت أن جهود التصدي لتغير المناخ، بحاجة للمزيد من الدعم المالي والفني، وأشارت إلى أن السودان يعول على الاستفادة من الاستراتيجية الإقليمية التي تتوافق مع خططه الوطنية. 

ورغم الهيئات الحكومية، والمعاهد المعنية بأمر البيئة والمناخ، إلا أنها تأتي في ذيل الاهتمامات الحكومية، من حيث توفر التمويل اللازم لمواكبة المتغيرات العالمية، في ما يلي المناخ ومتغيراته، التي باتت تمثل أحد المخاطر التي تواجه البلاد، ويؤكد الباحث بكلية الجغرافيا وعلوم البيئة بجامعة الخرطوم، رمزي علي، لـ «البيان»، عدم وجود برنامج دراسي محدد لدراسة آثار الفيضانات بالجامعات، أو حتى خبراء متخصصين، من واقع دراستهم الأكاديمية في هذه المجالات المرتبطة بتغير المناخ. 

يقول الأكاديمي السوداني، إن كل المعلومات المرتبطة بالموارد المائية المعتمدة حالياً لدى المراكز الحكومية «غير محدثة»، وتستند إلى مساحة السودان، حين كانت دولة واحدة مع الجنوب، قبل وقوع عملية الانفصال في عام 2011.

مشدداً على أن تلك البيانات، تجعل الباحثين غير قادرين على رسم خطط مستقبلية لواقع المناخ في البلاد، وأضاف أن ندرة الباحثين المتخصصين في قضايا تغير المناخ في البلاد، تأتي نتيجة لضعف التمويل المخصص للبحث العلمي.

والتي تنعكس على عدم فتح برامج دراسية حديثة تلبي احتياجات الباحثين الراغبين في دراسة هذه القضايا. وقال علي إن محدودية الدعم المالي، انعكست في عدم توفر أجهزة حديثة متطورة، لرصد وتوثيق آثار تغير المناخ، والتغيرات في درجات الحرارة خلال الأعوام الأخيرة، وذلك على الرغم من التغيرات والتقلبات المناخية، مرجحاً أن يصبح التكيف مع هذه التأثيرات أكثر صعوبة، ومكلفاً أكثر في المستقبل. 

من جهته، يؤكد رئيس تحرير موقع «ايكو سودان» الإلكتروني المتخصص في قضايا المناخ والبيئة، السموأل بدوي، لـ «البيان»، إن ما يشهده السودان حالياً من سيول وفيضانات وجفاف في بعض المناطق، هو انعكاس للتغيرات المناخية التي تهدد كل دول العالم.

مشيراً إلى أن السودان تأثر بالتغيرات المناخية، نتيجة للصراعات المسلحة في الجنوب، وإقليم دارفور وغيرها من المناطق، حيث قضت الحرب على الغطاء النباتي في مساحات شاسعة، بجانب عمليات القطع الجائر التي طالت قطاع الغابات. 

ويلفت بدوي إلى أن السودان يفتقر للدراسات الحقيقية التي تسهم في تفادي مخاطر عملية التغير المناخي، وذلك نتيجة لعدم مقدرة الأنظمة المتعاقبة على التعامل مع قضية البيئة بشكل جدي وموضوعي، وكيفية إدارة المؤسسات المعنية بالمناخ والبيئة، ما يشير إلى أن قضية البيئة، ليست من أولويات الحكومات الملحة، ويضيف: «ما لم يكن هناك أنظمة حكم تضع استراتيجيات تراعي عملية التغييرات المناخية، لا يمكن أن نتفادى مثل هذه الكوارث والظواهر المناخية».

طباعة Email