لبنان.. مشهد ضبابي في أفق الاستحقاقات المصيرية

ت + ت - الحجم الطبيعي

غداة زيارته «الخاطفة» لبيروت، الجمعة، والتي لن تكون الأخيرة، بقيت محادثات الوسيط الأمريكي في ملفّ ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل آموس هوكشتاين مغلّفة بالضباب والالتباسات الكثيرة، وإنْ كان أعرب في ختامها عن إحرازه تقدّماً جديّاً، مجدّداً تفاؤله بقرب الوصول إلى اتفاق في هذا الشأن.

وبعد أن فرض الترسيم نفسه في المقرّات الرسمية خلال الساعات الأخيرة، وإنْ كان لم يُحسم بعد بل يبدو أنه يحتاج إلى أكثر من جولة، عادت معادلة «التشابك» بين الاستحقاقين الحكومي والرئاسي إلى واجهة المشهد مجدّداً لتأخذ مكانها المتّسع، وسط ترقّب توقيت توجيه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الدعوة الأولى إلى المجلس للانعقاد وانتخاب رئيس الجمهورية الجديد.

علماً أنّ هذا الاستحقاق سيشكّل الامتحان الأصعب للمجلس النيابي الحالي، في ظلّ الانقسامات حياله وعدم قدرة أيّ طرف على أن يميل بميزان الانتخابات في اتجاهه، فيما من شأن «الغباش»، الذي يحوطه أن يعزّز كلّ الاحتمالات، بما فيها الشغور في سدّة الرئاسة الأولى حتى إشعار آخر. وهنا، بدأ يُشاع في الأجواء تحوّطاً لفراغ رئاسي محتمل، إنْ تعذّر تأليف حكومة جديدة.

وذلك من بوّابة استعادة الحكومة المستقيلة كلّ الصلاحيات الدستوريّة التي حرمتها إياها الاستقالة، مضافاً إليها انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية إليها. 

ولعلّ اللافت في هذا السياق أنّ المواقف الخارجية من القضايا والملفات المتصلة بالوضع في لبنان لم تبدأ بالتعامل معه بعد على قاعدة سريان المهلة الدستورية للاستحقاق الرئاسي منذ مطلع الشهر الجاري، إذْ لا يزال التريّث الخارجي يطغى على هذا التعامل إلا من باب تشديد معظم الدول على ضرورة إتمام انتخاب رئيس للجمهورية ضمن الموعد الدستوري.

ومع تسارع العدّ العكسي للحظة أفول عهد الرئيس ميشال عون، في 31 أكتوبر المقبل، تصدّر الاستحقاق الرئاسي المشهد، فارضاً إيقاعه على الاستحقاق الحكومي، تسليماً بقضاء الشغور وقدره المحتوم في سدّة الرئاسة الأولى، بما يحتّم تالياً إعادة تشكيل الحكومة القائمة، أي حكومة تصريف الأعمال، لتكون كاملة الصلاحيات، وقادرة خلال فترة الفراغ الرئاسي على اتخاذ القرارات، بالأصالة عن نفسها وبالوكالة عن رئيس الجمهورية، إزاء مجمل الملفات والتحديات الداهمة، وفي طليعتها اتفاقية الترسيم الحدودي البحري مع إسرائيل، وخصوصاً في ظل التيقّن من أنّ «مهلة سبتمبر» سقطت، والتوقيع على هذه الاتفاقية بات شبه مستحيل في ما تبقّى من ولاية عهد عون. 

وإلى الاستعصاء الحكومي، فإنّ ثمّة إجماعاً على أنّ الغموض الواسع الذي يغلّف آفاق الانتخابات الرئاسية ليس مرشّحاً للتبدّد في وقت قريب، بل إنّ التعقيدات الداخلية التي تطبق على مجمل المشهد السياسي والرئاسي مرشحة للتفاقم تباعاً، وذلك في ظلّ حالة التباعد والانقسام العميق التي تسود المناخ الداخلي، وتمنع الاسترسال في أيّ توقعات متفائلة باستحقاق رئاسي يوفّر انتقالاً سلساً للسلطة. 

أمّا على المقلب المكمّل لهذه الصورة، فكلامٌ عن أن لا مؤشرات إلى أنّ رئيس مجلس النوّاب سيدعو قريباً إلى جلسة الانتخاب، إذْ إنّ الظروف المحلية والإقليمية والدولية لم تسمح بعد بتظهير «بروفايل» الشخصية التي ستتولّى إدارة شؤون البلاد في الأعوام الـ6 المقبلة.

فيما المشهديّة النيابيّة والسياسيّة تشي بأنّ لبنان مقبل على معركة رئاسية شرسة، لعدم امتلاك أيّ من طرفَي المعارضة والموالاة الغالبية النيابية، أي 65 صوتاً (من أصل 128) لإيصال مرشح أيّ منهما إلى سدّة الرئاسة الأولى، ما ينذر بإمكانية الوقوع في فراغ نتيجة تبادل الفيتوات من قبل الطرفين، ويبدو ذلك واضحاً للعيان من معالم الصورة التي بدأت ترتسم في الأفق.

وفي الانتظار، فإنّ ثمّة إجماعاً على أنّ «حبْس الأنفاس» سيبقى سيّد الموقف إلى حين «القبض» على الرئاسة، وسط حسابات دقيقة تتراوح بين المفاجآت المذهلة والمفاجآت غير المتوقعة، فيما أسئلة كثيرة ستملأ الطريق من المجلس النيابي، الذي سيصوّت لأحدهم، كنقطة بداية لعهد جديد، قد يُستولد قيصريّاً ربّما، وطريقه إلى الغد مليء بالألغام، ومفادها: ماذا بمقدور الرئيس الـ14 للجمهورية أن يصلّح في نظام أثبت أنّه أقوى من أن يُقهر؟!

طباعة Email