نزع زعيم التياري الصدري، مقتدى الصدر، فتيل حرب أهلية كانت قد ظهرت مقدماتها حتى صباح أمس في صدامات دامية بين مسلحين من أنصار الصدر وآخرين من «الإطار التنسيقي» أسفرت عن سقوط 30 قتيلاً ومئات الجرحى، وامتثل أنصار الصدر لنداء زعيمهم بالانسحاب من المنطقة الخضراء وإنهاء الاعتصام، وغادر أنصار الطرفين ساحة المواجهات، لتعود مظاهر الهدوء الحذر برفع حظر التجول وإجراءات أخرى توحي بعودة الاستقرار ونهاية الأزمة.

إلا أن الأنظار تشخص إلى المحكمة الاتحادية التي أجلت أمس النظر في الدعوى التي قدمها التيار الصدري بحل البرلمان، وبررت التأجيل بحظر التجول، وذكر مجلس القضاء الأعلى في بيان، أن «كافة المحاكم ومنها المحكمة الاتحادية لم تنظر في الدعاوى المعروضة عليها»، وأضاف أن «ذلك جاء بسبب حظر التجوال العام وتعطيل عمل مؤسسات الدولة كافة».

وذكرت وسائل إعلام نقلاً عن مصدر قضائي أن «جلسة المحكمة الاتحادية ستعقد عند عودة الأمور إلى طبيعتها من الناحية الأمنية». ويرى مراقبون أن التأجيل كان متعمداً، لإتاحة الوقت للقوى السياسية على التوصل إلى تسوية بين الأطراف قبل البت في دعوى التيار الصدري الذي يطالب بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة.

وبما أن البرلمان يرفض التصويت على حل نفسه، فإن الصدر لجأ إلى المحكمة الاتحادية والتي رفضت الدعوى سابقاً. وفي حال قررت المحكمة حل البرلمان من المتوقع أن يدخل العراق في فترة هدوء لغاية الاتفاق على تسوية بشأن الانتخابات المبكرة، إلا أن احتمالات التصعيد تبقى قائمة في حال استمرار البرلمان الحالي.

ويلتقي مقتدى الصدر والإطار التنسيقي على أن حل الأزمة يكمن في تنظيم انتخابات جديدة، لكن الصدر يريد حل البرلمان قبل كل شيء، بينما يريد الإطار التنسيقي تشكيل حكومة أولاً.

وتحدث عضو تحالف الفتح، محمود الحياني، وهو جزء من الإطار التنسيقي، عن «وساطة حدثت لحل الأزمة وكان لها دور إيجابي»، دون أن يكشف عن الجهة التي قامت بها، كما أشار في تصريح لقناة «رووداو» إلى إجراءات جديدة لحسم موضوع رئيس الوزراء، وإمكانية بقاء رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي، أو اختيار شخصية أخرى.

هدوء في الخضراء

في التطورات الميدانية، انسحب أنصار مقتدى الصدر من المنطقة الخضراء في بغداد بعد أن أمهلهم الصدر ستين دقيقة لوقف كل الاحتجاجات، مندّداً باستخدامهم العنف بعد مواجهات بينهم وبين القوى الأمنية. وفور بدء الانسحاب، أعلن الجيش رفع حظر التجوّل.

وقال الصدر في مؤتمر صحافي عقده في النجف، أمس: «إذا لم ينسحب كل أعضاء التيار الصدري خلال ستين دقيقة من كل مكان، حتى من الاعتصام، أنا أبرأ منهم... بغض النظر من كان البادئ، أمشي مطأطأ الرأس وأعتذر للشعب العراقي الذي هو المتضرر الوحيد مما يحدث». وأضاف «أنا أنتقد ثورة التيار الصدري.. بئس الثورة هذه.. بغض النظر عمن هو البادئ. هذه الثورة ما دام شابها العنف، ليست بثورة».

فور انتهاء ندائه، بدأ أنصاره ينسحبون من المنطقة الخضراء في العاصمة التي تضمّ المؤسسات الرسمية والسفارات وتعتبر محصنة أمنياً، وسكت صوت السلاح.

وقعت المواجهات بين «سرايا السلام» التابعة لمقتدى الصدر من جهة وقوى أمنية وفصائل من الحشد الشعبي تشكل جزءاً من القوات العراقية الرسمية.

عنف وتهدئة

قال مسؤول في الحكومة العراقية، تحدث لوكالة «رويترز» شريطة عدم الكشف عن هويته قبل فترة وجيزة من دعوة الصدر لإنهاء الاحتجاجات، إن السلطات لا تستطيع فرض سيطرتها على الفصائل المسلحة المتناحرة. وأوضح المسؤول أن الحكومة لا حول لها ولا قوة لوقف هذا لأن الجيش منقسم بين موالين لإيران وأتباع الصدر.

وقال حمدي مالك، المتخصص في شؤون الفصائل المسلحة العراقية في معهد واشنطن، إن تصرفات الصدر تتبع نمط المواجهة والتهدئة الذي اتخذه منذ صعوده بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وأطاح بصدام حسين عام 2003.

واعتبر رناد منصور من مركز «شاتام هاوس» للأبحاث أن قيام الصدر بإرسال أنصاره إلى المنطقة الخضراء ثم الطلب منهم الانسحاب «يظهر لمعارضيه سلطته الاجتماعية ومدى اتساع قاعدته الشعبية».