طغى خلال الساعات الأخيرة تعاضد الجسم القضائي في لبنان حول تأكيد الاعتكاف المفتوح عن مزاولة مهامه حتى تحقيق المطالب، وذلك في خطوة بدت أشبه بالتلويح بإعلان حالة «العصيان القضائي» في مواجهة السلطة، ما لم تقترن الوعود المعطاة للقضاة بضمانات ملموسة تفضي إلى تحسين أوضاعهم المادية.

ومن بوابة «الانتفاضة القضائية»، المتمثلة بإضراب واسع غير مسبوق، أيده من دون تحفظ مجلس القضاء الأعلى في ظاهرة نادرة، وفيما اعتكاف القضاة مستمر لحين تحقيق مطالب القضاة وتنفيذها، فإن ثمة إجماعاً على أن قضاء لبنان يبدو متروكاً لقدره، وعلى أن لا حل في أفق هذه القضية سوى الوعود، مع ما يعنيه الأمر من تمديد فترة الاعتكاف إلى ما شاء تصحيح الرواتب، وبالتالي دخول لبنان مرحلة خطيرة من التعطيل والشلل. ذلك أن العدلية أقفلت أبوابها التمييزية والاستئنافية، فلا من يدخل إليها مفقود، ولا من يخرج منها مولود، في ظل سلطة خارجة على القانون، ووسط ارتفاع منسوب الأسئلة المرتبطة بهذا الشأن، ومفادها: أي دولة يمكن أن تستمر بلا قضاء وبلا عدالة؟

ظروف صعبة

وكانت الجمعية العمومية للقضاة عقدت اجتماعها، في القاعة الكبرى لمحكمة التمييز، بحضور نحو 400 قاضٍ، تقدمهم رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود، حيث تناول المجتمعون موضوع الاعتكاف الذي دخل أسبوعه الثاني على التوالي، وما يعانيه قضاة لبنان من ظروف مادية ومعنوية واجتماعية وصحية صعبة، فتقرر، وبالإجماع، الاستمرار في الاعتكاف، بعدما تبين من أن الاتصالات مع المسؤولين لم تفضِ إلى أي نتيجة لتحقيق الحد الأدنى من مطالب القضاة. ولاحقاً، أعلن مجلس القضاء الأعلى تبنيه مطالب القضاة جميعها وما استتبعها لناحية الاعتكاف، إلى حين تنفيذ ما تم التوصل إليه في هذا الشأن، مع التصويب في ما خص تردي الأوضاع القضائية إلى أن ذلك «مرده بصورة أساسية إلى عدم إقرار قانون استقلال السلطة القضائية»، وفق البيان الصادر عن مجلس القضاء الأعلى.

لا رجوع

إلى ذلك، أكدت مصادر قضائية لـ«البيان» على أن لا رجوع عن الإضراب المفتوح، بعدما بلغ الإذلال والاستهداف مستوى لا يحتمل، وكان آخرها طلب رئيسي الحكومة والبرلمان من حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بوقف صرف رواتب القضاة وفق سعر صرف 8 آلاف ليرة للدولار، لامتصاص غضب العاملين بالقطاع العام. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه، وبعد تأخر دفع رواتب العاملين بالقطاع العام حتى منتصف الشهر الجاري، تفاجأ القضاة بصرف رواتبهم وفق سعر الصرف الرسمي (1507 ليرات)، مع حسومات بلغت نحو مليون ليرة عن كل راتب كضريبة على الدخل. علماً أنهم غير مشمولين بكل التحفيزات والمساعدات التي تعمل الحكومة على تقديمها لموظفي القطاع العام للعودة إلى عملهم. وذلك، عدا عن عجز بعض القضاة في الوصول إلى مراكز عملهم، بسبب غلاء المحروقات، ومنهم قضاة أصيلون أمضوا في الخدمة نحو 40 عاماً ولم يتجاوز راتبهم بعد الـ8 ملايين ليرة فقط، خلافاً لكل ما يشاع، فيما قصور العدل كـ«أروقة الأشباح»، تفتقد للحد الأدنى من مقومات العمل، من كهرباء وقرطاسية وغيرها.