الحياد الإيجابي.. رؤية سياسية تمنع الانجرار إلى محاور الدول الكبرى

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

 يشهد العالم انقساماً حاداً بين الدول الكبرى، وهو انقسام غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، بما يشكل تصعيداً يلقي بثقله على الأمن والسلم الدوليين.. وتعتبر الحرب في أوكرانيا تعبيراً عن هذا الانقسام وتبعاته التي تطول العالم بأسره.. فهل يقود ذلك المشهد إلى بوادر ظهور «كتلة عدم انحياز جديدة» على غرار الدور المؤثر الذي لعبته هذه الكتلة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي؟ وما ملامح تلك الكتلة في الوقت الحالي؟ وما موقع العرب فيها؟

تشكلت حركة «عدم الانحياز» في عام 1955 كنتيجة مباشرة للحرب العالمية الثانية، والحرب الباردة التي تصاعدت حينها بين المعسكر الغربي (الذي ضم الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة وحلف الناتو) والمعسكر الشرقي (الذي ضم الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو)، بهدف الابتعاد عن سياسات الحرب الباردة.

لعبت الحركة، التي تأسست من أفكار الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، دوراً فاعلاً بين الكتلتين الرأسمالية والاشتراكية، من خلال التزامها بالسلام والأمن العالميين ونزع السلاح، وإعادة هيكلة العلاقات بين الدول المتقدمة والنامية، لا سيما العلاقات التجارية.

وفي ضوء التطورات الراهنة التي يشهدها المجتمع الدولي، والتي تقود لمقاربات تتشابه معطياتها مع الوضع إبان فترة الحرب الباردة، تحرص عديد من الدول على اتباع سياسات خارجية متزنة تنأى بنفسها عن الانقسام القائم، في مقاربة مع مبدأ عدم الانحياز، تلك الكتلة التي كانت توصف بكونها «أكبر حركة سلام في التاريخ». وفيما يرى محللون أن الانقسام الذي يشهده العالم حالياً يقود إلى إعادة إحياء حركة عدم الانحياز، يعتقد آخرون بأن الأوضاع مختلفة، لا سيما وأن النظام الدولي لم يعد ثنائي القطبية.

الدول الكبرى

يشير وزير خارجية مصر الأسبق السفير محمد العرابي، إلى التنافس الحاد بين الدول الثلاث الكبرى، وهم من الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن (الولايات المتحدة وروسيا والصين) الملزمين - طبقاً لميثاق الأمم المتحدة - بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

إلا أنه على العكس من ذلك، فإن ذلك التنافس أصبح أكبر مهدد للسلم والأمن، والدليل على ذلك الخطابات الأخيرة والتحذيرات التي تلتها حول الحرب النووية، والتي تعيد للأذهان خطر الحرب العالمية، وهي إن وقعت فستكون «حرباً غير مسؤولة ومُدمرة يعاني من تبعاتها العالم كله»، وفقاً للعرابي الذي يشير في تصريحات لـ«البيان» إلى العملية الروسية في أوكرانيا باعتبارها «نموذجاً مصغراً للحرب العالمية وتداعياتها».

يضيف العرابي: نحن أمام دول من المفترض أنها تقوم بصيانة السلم والأمن، لكنها أصبحت عنصر تأزيم.. ومن هنا يتعين على المجتمع الدولي النهوض أمام هذه الدول التي تتبنى استراتيجيات خطيرة ومهددة للسلم والأمن الدوليين، وأن ينتج نظاماً دولياً جديداً يراعي مصالح الدول الأخرى التي أصبحت بمثابة ملعب للتنافس بين الدول الثلاث الكبرى وأيضاً فريسة وضحية لهذا التنافس.

معادلة جديدة

لكن العرابي في الوقت نفسه يرى أن «هذا لن يحدث عملياً.. ومهما كنا نحاول إحياء مبادئ عدم الانحياز وفكرة الحياد الإيجابي، إلا أن الزمن تغير والموضوع أصبح غير صالح للتطبيق في المرحلة الحالية وعلينا العمل من أجل الوصول لمعادلة سياسية جديدة تراعي بشكل خاص الدول ضحية هذا التنافس والصراع».

وحول موقع العرب من هذه المعادلة، يلفت الرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري إلى أن العرب مثلهم في ذلك مثل الدول التي تدور في فلك تلك التطورات، لكن «التميز الوحيد هو أن لدينا دولاً مُنتجة للطاقة، وبالتالي أصبح النظر للعرب ليس فقط في إطار نظرة التعاون والاستفادة من خيرات تلك الدول، إنما نظرة هيمنة ومحاولات للسيطرة من جانب الدول الكبرى».

إعادة إحياء

في المقابل، يعتقد مساعد وزير خارجية مصر الأسبق، السفير جمال بيومي، بأن الانقسام الحاد بين الدول الكبرى في الوقت الحالي من شأنه إحياء نشاط «عدم الانحياز»؛ ذلك أن التطورات الراهنة قد جعلت الجميع يدركون قيمة ذلك النشاط. ويستذكر: «لقد قمنا بدور كبير في الجامعة العربية في ظل حركة عدم الانحياز عندما زار وزراء خارجية سبع دول عربية موسكو في محاولة لتقريب وجهات النظر». ويشير بيومي في تصريحات خاصة لـ«البيان» إلى أن «الصراع حالياً لم يتخذ سبيلاً للتراجع، بينما الكل يحذر في الوقت نفسه من اندلاع حرب أكبر عن طريق الخطأ.. من الواضح أيضاً أن السياسة الأمريكية قد فشلت، وعلى الجانب الآخر فإن السياسة الروسية لم تنجح أيضاً». ويتابع: «علينا أن نتمسك بكوننا دولاً غير منحازة.. هذا التوجه يضم 139 دولة عربية وأفريقية ومن آسيا وأمريكا اللاتينية»، معتقداً بأنه لا مجال للحديث عن تكتل مؤسسي يمثل تلك الكتلة على أساس أن «كونها دول عدم انحياز فهي ليست كتلة.. هي دول تقف على الحياد في سياسة إيجابية وسط ذلك الصراع والانقسام».

سياسات متزنة

رأي مختلف يتبناه مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عماد جاد، والذي يقول في تصريحات خاصة لـ«البيان» إن «النظام العالمي حالياً ليس نظاماً ثنائي القطبية لتكون هناك كتلة عدم انحياز بين الشرق والغرب.. إنما هناك مراكز قوى، تتشكل من الولايات المتحدة وروسيا والصين وقوة الهند الصاعدة، وعوضاً عن حركة عدم الانحياز ستسعى الدول لاعتماد مبدأ التوازن في علاقاتها الخارجية».

ويلفت عضو مجلس النواب المصري السابق، في السياق نفسه إلى موقع العرب في سياق تلك التفاعلات، موضحاً أن «مصر ودول الخليج بشكل خاص بدؤوا الاعتماد على فكرة التوازن المذكورة والحياد الإيجابي.. بحيث تكون لهم علاقات قوية مع جميع الأطراف، علاقات مع روسيا والصين وفي نفس الوقت العلاقات مع الأمريكيين، مع تنويع مصادر العلاقات الدفاعية والاقتصادية».

ويرى أن سياسة التوازن في العلاقات الخارجية هي الأكثر ملاءمة دون وجود كتلة جديدة لأن النظام الدولي ليس ثنائي القطبية «بل إن العالم في طريقه إلى نظام مُتعدد الأقطاب.. والتوجه سيكون نحو اتباع السياسة المعتدلة المتوازنة»، وهو ما عدّه جزءاً من الواقعية السياسية الجديدة.

طباعة Email