بعد عامين من فاجعة المرفأ.. البحث عن الحقيقة يوحد اللبنانيين

ت + ت - الحجم الطبيعي

وسط الحداد العام، طوى انفجار مرفأ بيروت ذكراه الثانية، وهو الذي اهتز معه كل لبنان، أرضاً وبشراً وحجراً، مخلفاً وراءه مرفأ بلا معالم، وعاصمة مفجوعة غارقة في الدماء، ومشاهدات أبكت العيون وأدمت القلوب.

يومها، كما يوم أمس، لبست بيروت، كما كل لبنان، ثياب الحِداد، وبدت وكأنها تمشي بجنازة الشبان والأطفال والشيوخ والنسوة، الذين قضوا، والشوارع والمنازل التي أصابها الدمار، وذلك بفعل أحد أكبر الانفجارات الكيماوية في العالم.

أما أهالي الضحايا، فعادوا إلى ساحة الفاجعة، وتحديداً إلى تلك اللحظة: السادسة و8 دقائق، أمام العنبر «12» في المرفأ، وأحيوا الذكرى، مؤكدين مجدداً أنهم لم ولن يهدأوا ولن تستريح أرواح ضحاياهم قبل الكشف عن الحقيقة، ولسان حالهم جميعاً بدا كأنه يقول: إن جريمة تفجير المرفأ هي جريمة كل يوم، وكل ساعة، وكل دقيقة!

224 اسماً ووجهاً وحياة، غابوا عن سجلات الحياة، وغابت معهم قصصهم التي جف حبرها في منتصف الأحداث أو بداياتها. عرف اللبنانيون لها نهاية واحدة، لكن كل قصة كان يمكن أن تكون لها نهاية (أو بداية) مختلفة، فقط لو صم الموت أذنيْه، أو فتح المسؤولون آذانهم وضمائرهم.

وعامان على الذكرى، التي هزت الإنسانية، وقوضت ركائز الحياة داخل نحو 230 منزلاً، والمجرمون يسرحون ويمرحون، وأبشع من ذلك أن سياسيين متهمين يستقلون سيارات مع لوحات زرقاء، بعد إعادة انتخابهم نواباً.

ذلك أن «جريمة العصر» لا تزال وكأنها باتت على شفير أن تُقيد ضد مجهول، والمجرم مجهل أو مجهول، لا فرق، فهو حر طليق، والقضاء مقيد ومربك، بل عاجز ومشلول، وممنوع عليه أن يخترق جدران هذه الأحجية وانتشال العدالة المفقودة في دهاليز السياسات والحسابات والتناقضات والعرقلات المفتعلة.

أما على الجانب الآخر، فلم يتغير المشهد كثيراً: ركام الجريمة وآثار الانفجار لا تزال «متكومة» في المرفأ وسائر المناطق المنكوبة تحفر في الوجع العميق فيما انهارت أربع صوامع إضافية أمس من إهراءات مرفأ بيروت.

وهكذا، استعاد تاريخ 4 أغسطس 2020، ومضاته ولحظة ارتفع فيها ركام المدينة في الجو ليرسم ما عُرِف بـ«بيروتشيما». فكانت المناسبة بعيدة كل البعد عن إحياء ذكرى عامين على الرحيل، وقريبة كل القرب من تذكير المنظومة الحاكمة بإصرارها على الاحتفاظ بالحقيقة من دون أن تأذن في الاستماع إلى أي مسؤول عاصر التفجير وأشرف عليه.

ولعل أغرب ما تخلل مشهد أمس أن السلطات المتهمة سألت مع أهالي الضحايا عن الحقيقة وطالبت بالتحقيق، وذلك من خلال سيْل من البيانات السياسية والرئاسية الذي اندلع كحريق.

وما بين المشهدين، مرت سنتان ضياعاً، بين إحالة القضية على المجلس العدلي، ثم تعيين محقق عدلي (القاضي فادي صوان)، ثم «تطييره» بالارتياب المشروع، ثم تعيين محقق عدلي جديد (القاضي طارق البيطار)، ثم خوْض معركة الحصانات إلى درجة لا يمكن معها استدعاء أحد!.

وما بين المشهدين أيضاً، فإن في خلاصة ما ثبت هو أن أهل الحكم والحكومة كانوا على دراية تامة بوجود قنبلة كيماوية موقوتة في وسط العاصمة، ولم يتحركوا ولم يحركوا ساكناً لتفكيكها، بل غطوا على الجريمة المتمادية، وتركوا الانفجار الكبير يحصل في ذاك اليوم.

طباعة Email