تواجه القارة الأفريقية مخاطر جراء التنافس على الموارد الطبيعية بين الدول، وكذلك توترات اجتماعية داخل الدولة الواحدة، وذلك نتيجة تدهور الأوضاع المعيشية الناجمة عن سلسلة من العوامل، على رأسها الصراعات السياسية والتغير المناخي وانتشار التنظيمات الإرهابية واستغلالها سوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل مشروع التنمية في أفريقيا يسير في حقل ألغام، ويهدد بإعادة تفجر صراعات جديدة.

«إن سبب هذه الحروب والهجرات والنزوح هو في الأصل الصراع على الموارد الطبيعية في السودان.. تأثر الموارد الطبيعية المباشر بتغير المناخ هو الذي يعرض المجتمعات لظروف ضاغطة يزيد من حدتها التنافس على الموارد في الزراعة والرعي».. هذا ما ذكرته في حديث سابق لها مع وكالة الأنباء السودانية مديرة المشروع الوطني لتمويل التصدي لمخاطر المناخ في السودان المهندسة راشدة حسن.

حديث المسؤولة السودانية سلط الضوء على أثر التغير المناخي في تفجير الصراعات في بلادها، وهو الأثر الملموس في بلدان مختلفة، لا سيما داخل قارة أفريقيا التي تواجه تحديات واسعة، خصوصاً في إقليم شرق القارة الذي يواجه تحديات أمنية ضاغطة، من بينها تشاد على سبيل المثال والتي وضعتها جامعة الأمم المتحدة ضمن الثلاثة الأوائل بقائمة 19 دولة أفريقية تواجه أزمة انعدام الأمن المائي. وتشاد هي دولة ليست بعيدة عن الصراعات، بما يؤكد مساحات التأثير المتبادل للتغير المناخي والصراعات.

المثال في السودان - التي وضعها تقرير دولي صادر عن منظمة «كرستيان أيد» على رأس الدول التي قد تشهد انخفاضاً في ناتجها المحلي يصل إلى 64% مستقبلاً حال استمرار درجة الحرارة على نفس المعدلات - يتكرر في كينيا والصومال وإثيوبيا، وغيرها من دول الإقليم التي تفجر وتفاقم فيها أزمة المناخ النزاعات، لجهة تبعات موجات الجفاف والتصحر وآثارها المباشرة على الزراعة والأمن الغذائي، إضافة إلى تراجع منسوب المياه، بما يخلق صراعاً على الموارد.

وتربط عديد من الدراسات والتقارير بين انتشار التنظيمات الإرهابية في القارة الأفريقية وعوامل التغير المناخي، من بينها دراسة صادرة عن معهد السلام الأمريكي في شهر يونيو من العام 2011، ذكرت أن ميلاد تنظيم بوكوحرام في نيجيريا (غرب أفريقيا) ارتبط بالتغيرات البيئية، استغلالاً للمعاناة التي كان يواجهها ضحايا التغيرات البيئية وافتقادهم الاحتياجات الرئيسية للمعيشة.

دراسة حديثة

وفي ظل تنامي الوعي بأهمية دمج البعد البيئي في فهم الأسباب الجذرية للصراعات، ومحاولة تسويتها بصورة مستدامة، أصبحت قضايا معالجة آثار التغير المناخي تحظى بقدر أكبر من الاهتمام من جانب مبادرات التسوية التي تطرح على المستويات الوطنية والإقليمية، وحتى الدولية.

هذا ما أكدت عليه دراسة حديثة أجريت بكلية الدراسات الأفريقية العليا بجامعة القاهرة أخيراً، وحصلت «البيان» على تفاصيلها، تناولت الدور الذي تلعبه العوامل ذات الطبيعة العالمية وغير السياسية في تفجير الصراعات الداخلية في شرق أفريقيا واستدامتها.

تستكشف الدراسة بعداً جديداً للصراعات الأفريقية، وهو البعد البيئي الذي أصبح محل اهتمام متزايد من جانب العديد من الدراسات الأكاديمية وأوراق السياسات حول العالم، وتقيم أثر عوامل التغير المناخي على الصراعات الداخلية في شرق أفريقيا.

تناولت الدراسة في الفصل الأول ظاهرة التغير المناخي في شرق أفريقيا. وناقشت أبعاد ومسببات وتداعيات تلك الظاهرة في هذا الإقليم. بينما في الفصل الثاني تناولت «دور التغير المناخي في نشأة وتطور الصراعات الداخلية في شرق أفريقيا»، ذلك من خلال دراسة التغير المناخي وأثره في الصراع الداخلي في دول (السودان وكينيا والصومال وإثيوبيا).

تناول الفصل الثالث «سياسات الاستجابة للتغير المناخي ودورها في احتواء الصراعات الداخلية في شرق أفريقيا». واهتم المبحث الختامي بدراسة آفاق بناء السلام البيئي في أفريقيا من خلال توضيح ماهيته وتحديات بنائه في أفريقيا، فضلاً عن آليات معالجة هشاشة المناخ في القارة.

تأجيج الصراعات

وذكرت مؤلفة الدراسة نسرين الصباحي، في إفادتها لـ«البيان» أن «التغير المناخي في مقدمة مسببات الصراعات الداخلية التي تتسم بكونها ذات طابع عالمي وغير سياسي بالدرجة الأولى، إلا أنه أثبت قدرة كبيرة على تفجير الصراعات الداخلية وإدامتها وتعقيد تسويتها في شرق أفريقيا».

وشددت على أن «التغير المناخي أحد العوامل المساهمة في تأجيج عددٍ من الصراعات الداخلية القائمة في شرق أفريقيا، ويلعب دوراً في تفجير صراعات داخلية جديدة.. كما يؤدي التغير المناخي إلى تعقد مسارات تسوية الصراعات الداخلية في تلك المنطقة».

كما أصبحت متطلبات الأمن القومي للدول تسترشد بأولويات أبحاث المناخ المستقبلية، وكيفية انخراط الجيوش الوطنية في تعزيز مفهوم الأمن البيئي، ومعالجة تهديدات الأمن غير التقليدية مثل التغير المناخي ونقص الغذاء والموارد مثل الطاقة والأمراض المعدية والكوارث الطبيعية والجريمة العابرة للحدود والاتجار بالبشر والمخدرات والهجرة الجماعية. وضرورة وضع الدول مستهدفات طموحة للحفاظ على البيئة، وتعزيز مشاركة الجيوش الوطنية وقوات حفظ السلام في إدارة حالات الطوارئ المناخية بالتعاون مع الجهات المدنية الفاعلة، وفق مؤلفة الدراسة.

وأفادت الصباحي بأنه «لا يمكن معالجة مسببات وتداعيات التغير المناخي إلا من خلال جهد وتضامن دولي مشترك للحفاظ على كوكب الأرض من خلال مراعاة البعد الأخلاقي للتغير المناخي وإلزام الدول المتقدمة المتسببة في التغير المناخي بالمسؤولية التاريخية تجاه الدول النامية بتعهدات تمويل سياسات التكيف مع التغير المناخي، مع تأكيدّ مصر على حقوق الدول الأفريقية المتضررة من التغير المناخي في كافة المحافل البيئية الدولية».

أفريقيا.. الخاسر الأكبر

وتشير إحصاءات منظمة الأمم المتحدة، إلى أن قارة أفريقيا - التي تدفع فاتورة باهظة لأزمة المناخ وتواجه تحديات مضاعفة - تسهم بنسبة لا تتجاوز الـ4% من الانبعاثات العالمية المسببة للاحتباس الحراري، وذلك عند مستوى 0.8 طن من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في العام. وتعتبر انبعاثات الفرد في إفريقيا أقل من المتوسط العالمي (البالغ 5 أطنان من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في العام)، وأقل بكثير من المناطق الأخرى مثل أوروبا وآسيا.

وتواجه عديد من دول القارة صراعات داخلية أو بينية، تلعب فيها تبعات التغير المناخي دوراً بارزاً. ويُعلق خبير البيئة لدى الأمم المتحدة، محمد الزرقا، في تصريحات خاصة لـ«البيان» على ذلك بقوله إنه «من المعروف أن مشكلات وآثار التغير المناخي تأخذ أكثر من شكل، ومنها ما يخص تغير نمط الأمطار، سواء لجهة تعرض مناطق للجفاف وأخرى للفيضانات».

ويشير إلى أن تغير نمط الأمطار يؤثر على «المياه» في بعض البلدان - مثل ما يحدث في بعض البلدان الأفريقية - بما يؤثر على الإنسان والحيوان والزرع ويهدد الأمن الغذائي، وهو من العوامل التي تسهم في تفجر النزاعات والصراعات في تلك الدول.

ويلفت الزرقا في الوقت نفسه إلى أزمة «اللجوء الناتج عن التغير المناخي» أو ما يعرف بـ«اللاجئون البيئيون» ممن تركوا أماكنهم ومنازلهم من أجل الهروب من تداعيات التغير المناخي المرتبطة بالمياه أو غير ذلك، ما يدفع إلى مشكلات أمنية واقتصادية تؤدي لتفاقم النزاعات في بعض الدول والمناطق.

ويشير في الوقت نفسه إلى النزاعات بين الدول وبعضها البعض، لا سيما على مصادر المياه، ضمن أوجه النزاعات التي تعززها أزمة المناخ، وغيرها من الأوجه التي يلعب فيها المناخ الدور الأبرز في نشوء النزاعات التي تحفل بها عديد من المناطق، من بينها دول أفريقية.