يبدو المشهد السياسي في لبنان كأنه استبق بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للبلاد، إذ لم يعد الملف الحكومي على الطاولة، وغاب مع غياب اللقاءات بين الرئيس ميشال عون ورئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي، فيما بدأ التداول جدياً حيال احتمال استعصاء تشكيل حكومة جديدة، ومواجهة الاستحقاق الرئاسي الذي هو، وبحسب تأكيد أوساط سياسية معارِضة لـ«البيان»، المحطة الفاصلة في إحياء الاهتمام الدولي والعربي بلبنان، أو الاستمرار في مقاطعته وبقاء أوضاعه على حالها الراهنة، ذلك أن العواصم الكبرى، وبحسب الأوساط ذاتها، حددت مواصفاتها المفترض أن تتوافر في مَن سيُنتخب رئيساً للجمهورية للسنوات الـ6 المقبلة، والواجب أن تكون حقبة انتقالية من الانهيار إلى الإنقاذ، مع ما يعنيه الأمر من كون الرئيس الجديد سيكون نتاج التغيير الحاصل في المنطقة وتبدل موازين القوى.

وفيما لا يمتلك لبنان غير انتظار التطورات، مترقباً مصير المسار السياسي على أرضه، تعدى الكباش السياسي الراهن الحكومة وتأليفها، ولامس في أبعاده الاستحقاق الرئاسي المرتقب قبيل انقضاء شهر أكتوبر المقبل، موعد انتهاء ولاية عون، والذي تنتفي بإتمامه مشكلة التخوف من الفراغ الرئاسي والمؤسساتي المتصاعدة. وعليه، فإن ملف انتخابات الرئاسة بات متقدماً على ملف تشكيل الحكومة، وخصوصاً بعد مضي أكثر من أسبوعين على تسليم رئيس الوزراء المكلف مسودة تشكيلة حكومية إلى رئيس الجمهورية (29 يوليو الماضي)، دونما أن يطرأ أي تطور مجد في شأنها: الرئيسان لا يلتقيان، والدائرون في فلكهما، نيابة عنهما، يحفران في خلاف غير مكتوم على تعذر تفاهمهما، أما أدهى ما يتردد في السر فهو الاستفادة من المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، ما بين 31 أغسطس و31 أكتوبر، من أجل تنظيم خلاف آخذ في التزايد والتصاعد، خصوصاً إذا قيض أو بات محتوماً على حكومة تصريف الأعمال الحالية تولي صلاحيات رئيس الجمهورية.

وفي قراءة لما ينتظر الرئاسة اللبنانية، التي دخل لبنان في مدارها ولقاءاتها، فإن ثمة إجماعاً على أن هذا الملف سيبقى رهناً بالتطورات الإقليمية والانفراجات الدولية أو بقرارات اللاعبين الدوليين، ذلك أن كل استحقاق داخلي يفتح المجال لأزمة نظام وتوافق بين كافة المكونات، وهذا كان خاضعاً في طبيعة الحال لموازين القوى سابقاً، فكيف الحال اليوم والبلد لم يستعد مقومات سيادته وفيه أطراف أساسية مرتبطة بالإقليم؟

وفي معرض الإجابة عن هذا السؤال، أجمعت مصادر لـ«البيان» على أن تشابك الاستحقاقات تستوجب «صفقة شاملة»، مع ما يعنيه الأمر من كون اتفاق أفرقاء الداخل غير كاف اليوم أكثر من أي وقت مضى، لأن لدى العديد منهم أجندات لا تتوافق مع الأجندة المحلية. بالتالي، فإن الدخول في معركة الرئاسة، هو عنوان المرحلة الحالية، ويتطلب تسوية ما، قد لا يكون أفرقاء الداخل قادرين على إنجازها وحدهم، وخصوصاً في ظل ما يُشاع ويُذاع عن وجود معادلة تتحكم بأي تسوية مستقبلية في الشأن الرئاسي، ومفادها: إما توفر ظروف إقليمية ودولية تؤدي إلى تسوية شاملة، وإما استمرار الاستنزاف، الذي يؤدي إلى متغيرات جذرية في طبيعة النظام والتركيبة وآلية إنتاج السلطة.