بعد باريس وواشنطن ولندن والرياض وموسكو، دخلت الأمم المتحدة على خطّ الأزمة اللبنانية، وتحديداً في ما يتعلّق منها بتشكيل الحكومة الجديدة، إذْ دعا مجلس الأمن إلى الإسراع في إنجاز هذا الاستحقاق المعلّق منذ 23 يونيو الماضي، تاريخ تكليف نجيب ميقاتي بالمهمّة، بالرغم من كوْن الأخير قدّم تصوّراً لتشكيلته الحكوميّة إلى الرئيس ميشال عون في 29 من الشهر ذاته. وجاء هذا الموقف في إطار بدْء ظهور معالم الضغوط الدوليّة على لبنان، لمنع استشراء الأزمة الحكومية التي بدأت، وعلى ما توضح المعطيات الأخيرة، تتّجه نحو انسداد طويل ومثير للأخطار، التي أقلّها الإبقاء على حكومة تصريف الأعمال راهناً، وأقصاها تعذّر تشكيل حكومة جديدة، وفتح أزمة أشدّ خطورة تتصل بالاستحقاق الرئاسي.
ومن بوّابة الاستحقاق الحكومي، أشار البيان الصادر عن مجلس الأمن بالإجماع (15 دولة) إلى «مسؤوليّة وواجب جميع الفاعلين السياسيّين العمل معاً من أجل إعطاء الأولويّة للمصلحة الوطنية، والارتقاء إلى مستوى التحديات التي تواجه الشعب اللبناني»، لافتاً إلى ضرورة «إجراء الإصلاحات اللازمة لمواجهة الأزمة غير المسبوقة، واجتثاث الفساد، وضمان الدعم الدولي الفعّال»، وذلك من أجل «إبرام سريع لاتفاق مع صندوق النقد الدولي»، مع التشديد في الوقت عينه على الأهميّة الحيويّة للالتزام بالتقويم الدستوري حتى تجرى الانتخابات الرئاسيّة في موعدها. وعليه، بات التأليف السريع والإصلاحات بمثابة اللازمة التي تتكرّر في كل موقف دولي من لبنان.
من جهة أخرى، لا يزال مسار التأليف عالقاً في الدائرة المفرغة، بحيث تتحدّد من خلاله الوجهة النهائيّة للمسار الحكومي، فإمّا أن يقود التواضع في الأطروحات في اتجاه تأليف الحكومة، وإمّا أن يقود التصلّب في الأطروحات في اتّجاه إبقاء الحال على ما هو عليه، فيما ثمّة إجماع على أنّ هامش المناورات يضيق واللعب على حِبال الوقت، وصولاً إلى استحقاق 31 أكتوبر والانتخاب الرئاسي الذي سينسحب ضرره على المعطّلين أنفسهم، كوْن رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالية سيبقى رئيساً، أكان بالأصالة أم بالوكالة لما بعد نهاية العهد الحالي.
وتحت وطأة احتدام صراع الصلاحيات بين الرئاستيْن الأولى والثالثة، أشارت مصادر لـ«البيان» إلى أنّ التطوّرات باتت تدفع باتجاه إدخال هذه العمليّة في صِدام رئاسي من شأنه أن يفاقم تعقيدات الولادة الحكوميّة، لافتة إلى أنّ التعجيل الذي باشر به ميقاتي مهمّته الحكوميّة تحوّل إلى تأجيل، والتفعيل تحوّل إلى تعطيل، فيما الأسوأ أنّ العُقد لا تزال هي هي، والمواقف لم تتغيّر، ولا شيء في الأفق القريب يوحي أنّها ستتغيّر. وذلك، بالتزامن مع ارتفاع منسوب الكلام عن الدخول في «بازار» تأليف، ربّما يطول، لكوْن العمل على التشكيلة الحكوميّة بات «على نار ليست متوسطة، ولا تصل إلى درجة الحماوة»، وفقاً لنظرية «المعايير والميثاقية» الذي يواجه به فريق بعبدا أيّة تشكيلة تأتيه من رئيس مكلّف منذ ما بعد استقالة حكومة حسّان دياب غداة انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020.
وفي المحصّلة، دخل الملفّ الحكومي في أيام «أضاحي» الوقت والفرص والتنازلات في سبيل الإسراع بتشكيل حكومة يدهمها الوقت وتدهم الانهيارات المكدّسة من دون خطط وحلول، وكأنّ الجميع سلّم لهذا الوقت الضائع الفاصل عن الانتخابات الرئاسيّة. أمّا إذا كان هناك من حراك يمكن أن يعكس صورة أمام الرأي العام، فسيكون حتماً بعد عيد الأضحى المبارك، حيث يُتوقع أن يُرمى الحجر في المياه الراكدة في الاجتماع التشاوري الثالث الذي طلب الرئيس المكلّف موعده من القصر الجمهوري قبل أن يسافر إلى لندن لقضاء عطلة العيد، وسماع الجواب: «بعد العيد إن شاء الله».