بعد اجتماع تشاوري عربي استضافته بيروت، والذي عوّض لبنان ولو نسبياً، وفق مراقبين، دوره الحيوي التقليدي في القضايا والتحركات العربية، عادت أزمة تشكيل الحكومة إلى واجهة الأحداث مجدداً، في ظل مؤشرات على توتّر في المداولات الجارية بين رئيس الحكومة المكلف، نجيب ميقاتي، ورئيس الجمهورية، ميشال عون، في ملف التشكيل الحكومي، بالتزامن مع الانشغال بالدلالات الخطيرة التي اكتسبها إطلاق حزب الله ثلاث مسيّرات منزوعة الصواريخ والمتفجرات فوق حقل كاريش.
وفيما لا يزال مسار التشكيل الحكومي عالقاً في دائرة مفرغة حتى إشعار آخر تتحدّد من خلاله الوجهة النهائية للمسار الحكومي، فإنّ ثمة إجماعاً على أن هامش المناورات يضيق، فيما سينسحب ضرر اللعب على حبال الوقت وصولاً إلى استحقاق 31 أكتوبر والانتخاب الرئاسي، على المعطلين أنفسهم، كوْن رئيس حكومة تصريف الأعمال سيصبح رئيساً سواء بالأصالة أم الوكالة بعد نهاية العهد الحالي.
ووسط ارتفاع منسوب الكلام عن أنّ لبنان بتركيبة حكومته العالقة في الدائرة المفرغة، في أدنى اهتمامات الدول الكبرى، تردّدت معلومات، أنّ الرئيس المكلّف ليس في وارد الخضوع لشروط العهد وتيّاره، ولوْ كلّفه الأمر عدم تشكيله الحكومة المنتظرة. وثمّة إجماع على أنّ مسار تأليف الحكومة الجديدة بدأ يتحوّل إلى ربْط نزاع بين الرئاستيْن الأولى والثالثة، فيما لا يبدو من الصعب التكهن معه بأنّه سيتحوّل لمسار تضييع للوقت واستنزافه، بما يثبت ما يتخوّف منه الجميع من أنّ حكومة تصريف الأعمال وحدها باقية وثابتة، وسط استبعاد يتنامى ويكبر لإمكان تشكيل حكومة جديدة.
ترسيم حدودي
إلى ذلك، سقطت مسيّرات حزب الله في البحر، إلا أنّ تداعياتها بقيت تلبّد في الأجواء، إذ تطايرت رسائلها في أكثر من اتجاه، فيما مفادها أنّ إصبع الحزب على الزناد دائماً ويده هي العليا في تقرير مصير لبنان وتحديد مساراته وخياراته. أمّا عن الرسالة التي رأى حزب الله أنّها وصلت في البيان الذي أصدره لتبنّي إطلاق 3 مسيّرات باتجاه حقل كاريش، فتلقّفتها إسرائيل للتملّص من مفاوضات ترسيم الحدود، وتحميل لبنان مسؤولية إفشال الوساطة الأمريكية، بذريعة أنّ الدولة اللبنانية غير قادرة على التوصّل إلى اتفاق بشأن الحدود البحرية، وفق القراءات المتعدّدة، مع ما يعنيه الأمر من كوْن حزب الله منح إسرائيل الحجة لتحريض الوسيط الأمريكي في ملف ترسيم الحدود البحرية، آموس هوكشتاين، على لبنان، والهروب إلى الأمام نحو تبرير استكمال عمليات استخراج الغاز من المنطقة المتنازع عليها بمعزل عن مفاوضات الترسيم، مع ما يعنيه الأمر من كوْن مفاوضات الترسيم باتت في مهب «معادلة المسيّرات».
ومن بوابة هذه المعادلة، التي سمّمت الأجواء ورفعت منسوب المخاوف من انزلاق مفاوضات الترسيم نحو تداعيات مواجهة محتملة ومباشرة بين حزب الله وإسرائيل، زاد من الإحراج الذي لازم موقف الدولة اللبنانية، والتي بدت كأنّها تقف وراء حزب الله، زاده ما ذُكر من أنّ هوكشتاين أجرى اتصالات بمسؤولين لبنانيين معنيين بملف الترسيم، وطلب توضيحاً لما جرى في هذا الشأن، معتبراً أنّ إطلاق حزب الله للمسيّرات من شأنه إيقاف جهود التفاوض، وقد يؤثّر في الإيجابية التي رشحت عن المُحادثات.
