يحاول السودانيون الخروج من عنت الواقع باللجوء إلى الترويح المباح، ففي جزيرة توتي الواقعة في قلب العاصمة الخرطوم يجد الكثيرون متنفساً، للتنزه والاستجمام، فهي بجانب أنها تتميز بقربها عن مركز العاصمة، تمثل وجهة سياحية، تتجمع فيها عناصر الجمال الماء والخضرة، ووجوه سكان الجزيرة دائمة البشر والترحاب بالزوار.
تغنى السودانيون بجزيرة توتي، التي تعد أبرز المعالم السياحية، التي تتوسط مدن العاصمة (الخرطوم- الخرطوم بحري وأم درمان) عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض، إذ كتب الشاعر السوداني الكبير واصفاً توتي الجزيرة الجميلة (يــا دُرة حَــفَهـا النُـيل وَاِحــتَــواهــا البــر)، فأخذت (درة النيل) اسماً محبباً لكثير من السودانيين، الذين يزدحمون عندها في أيام الجمع والعطلات، للاستمتاع بنقاء الطبيعة، واستنشاق هواء الجروف.
تبلغ مساحة جزيرة توتي 990 فداناً، تقل تلك المساحة وتزيد بحسب فيضان النيل، وتضم داخلها حوالي 20 ألف نسمة، وقد قاوم سكانها كل محاولات الترحيل منذ الحكم الاستعماري وما بعده، بقدر مقاومتهم لتهديدات غضب النيل على مر العصور بأساليبهم البدائية، التي ألفوها مع كل موسم فيضان يكاد يبتلع الجزيرة الصغيرة المحاصرة بالمياه.
وفي العام 2015 اختار برنامج الأمم المتحدة للحد من مخاطر الكوارث جزيرة توتي، ضمن أفضل ثماني مناطق على مستوى العالم في استخدام المهارات التقليدية والثقافة المحلية، للحد من مخاطر الفيضانات، إذ يلجأ سكان الجزيرة للنفرات الجماعية ما يعرف بـ(النفير) لحراسة النيل حتى لا يتجاوز الحواجز إلى داخل المساكن، وتغنوا بذلك في ملاحم فنية، أصبحت جزءاً من التراث الغنائي في البلاد.
ظلت جزيرة توتي تحتفظ بحياتها الاجتماعية الخاصة، لمئات السنين، يتنقل أهلها إلى مدن العاصمة الخرطوم، عبر القوارب الصغيرة والعبارات النيلية، ولكن بعد تشييد (جسر توتي) في العام 2008 وهو الجسر، الذي يربط الجزيرة بوسط الخرطوم، أصبحت الجزيرة قبلة لرواد السكن القريب من مركز المدينة والمجاوز للنيل، فانفتحت جزيرة توتي للسكن من غير أهلها، برغم أن أهلها ظلوا يقاومون صخب العاصمة بالانعزال بين أحضان المياه وبين أشجار الليمون والمانجو، التي تحيط بجزيرتهم.
يجمع عدد من اختاروا جزيرة توتي موطناً عقب تشييد الجسر أنها منطقة يطيب بها المقام لاحتفاظها بإرث الريف وترابط المجتمع، وسهولة التداخل الاجتماعي بين سكانها، بجانب كونها تمثل قبلة للسياحة ومتكأ للراحة، فجلسة على شاطئ توتي تنسي المرء رهق الحياة ومعاناة الكد وراء لقمة العيش، والأشجار الظليلة العملاقة، التي تحف الجزيرة كفيلة بتفريغ الطاقة السلبية.
الرمال البيضاء على شواطئ الجزيرة من الناحية الشرقية، وجهة أخرى للسياح المحللين والأجانب، فالأسر تصطحب أطفالها إلى هناك لقضاء العصريات، يلهو الأطفال ويسبحون، كما أن الشباب يتخذون من تلك الرمال مسرحاً للغناء والترفيه، والأنس الجميل، فالمكان مُغرٍ للتنزه، ونسيان رهق الحياة.

