لبنان في دوّامة ترسيم حدوده البحريّة: الاحتكام للوساطة الأمريكيّة

ت + ت - الحجم الطبيعي

بعد طول ركود في البلوكات النفطيّة اللبنانيّة، وكثير تسويف عن التنقيب للوصول إلى الحقوق الطبيعيّة، عاد الغليان إلى ملفّ النفط والغاز المدفون في أعماق البحر وصحراء السياسة. ومجدّداً، قفز ملفّ ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة، مثيراً الكثير من التوقّعات والاحتمالات حول نشوب حرب بين الجانبيْن، وذلك في ضوء دخول السفينة اليونانيّة «إنيرجين باور» المنطقة المتنازَع عليها في الحدود البحريّة الجنوبيّة، وهي التي تضمّ وحدة إنتاج الغاز الطبيعي وتخزينه، ما استدعى استنفاراً لبنانيّاً لمواجهة هذا الاعتداء، خصوصاً أنّ السفينة المذكورة، ستنقّب عن النفط والغاز لمصلحة إسرائيل، وهي لن تحتاج إلى أكثر من 3 أشهر لبدْء الإنتاج في حقل «كاريش»، الذي للبنان حصّة كبيرة فيه. 

ولليوم الثاني على التوالي، بقي ملفّ ترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل، متصدّراً الأولويّات، في ظلّ التداعيات الساخنة التي أطلقها وصول وحدة التنقيب والحفر والإنتاج اليونانيّة إلى حقل «كاريش»، وتفاعلها أقلّه على الصعيد الديبلوماسي. وعليه، انهمك لبنان الرسمي بالتحضير لاستعجال إيفاد الوسيط الأمريكي في مفاوضات ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل، آموس هوكشتاين، لاستئناف وساطته، وذلك بعد الإعلان الإسرائيلي عن السعي لربط تحويل الغاز المسال المستخرج من حقل «كاريش»، «المتنازَع عليه»، حسب المصادر اللبنانية، والذي «يدخل ضمن المنطقة الخالصة»، حسب المزاعم الإسرائيلية، تجنّباً للدفع بالوضع المهزوز في المنطقة إلى حافة الانفجار.

ضمانة آنيّة

إلى ذلك، بدا الإعلان، رسمياً، عن إعادة الاحتكام للوساطة الأمريكيّة، بمثابة مؤشر إلى تحريك الديبلوماسيّة الاحتوائية، منعاً لمزيد من التوتر عند ملفّ محفوف بالأبعاد والدلالات الاستراتيجية، إقليميّاً ودوليّاً، بما يشكل، وبحسب تأكيد مصادر متابعة لـ «البيان»، حدّاً أدنى من الضمانات الظرفيّة الآنيّة على الأقلّ، باستبعاد انفجار أو مغامرة عسكرية. وذلك، في ظلّ الاستعدادات الإسرائيليّة الجدّية لبدْء عمليات الحفر في حقول نفطيّة وغازيّة متنازَع عليها مع لبنان، والتي ترافقت مع تهديدات إسرائيلية مباشرة للبنان، من أنّ التعرّض لمنشأتها النفطيّة في البحر، هو بمثابة «إعلان حرب».

 وكان لبنان الرسمي سارع، تحت مظلّة توافق بين الرؤساء الثلاثة، إلى إبلاغ الجانب الأمريكي طلباً رسمياً بتحرّك الوسيط الأمريكي، الأمر الذي أطلق رسالة واضحة، مفادها رغبة لبنان في حلّ تفاوضي للأزمة، على أن يتولّى المسؤولون حلّ الجانب الداخلي المتصل بمأزق الانقسام حول تعديل المرسوم «6433»، وتثبيت خطّ التفاوض. أمّا على المقلب الآخر من الصورة، واستناداً إلى الخطّ البياني للمواقف اللبنانية الرسميّة خلال الساعات الأخيرة، فكلامٌ عن ارتباك السلطة وعجزها عن اتخاذ موقف حازم في ملفّ ترسيم الحدود البحريّة، فكان الخيار الإبقاء على حالة «اللاقرار» في المرحلة الراهنة، واستدراج الوسيط الأمريكي للعودة إلى بيروت، في محاولة للتوصّل إلى أرضيّة مشتركة، يمكن التأسيس عليها لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل. وعليه، ارتفع منسوب الكلام عن أنّ حالة «الستاتيكو» ستبقى هي الطاغية على أجواء الجبهة الجنوبيّة حتى إشعار آخر، مع ضرورة الإبقاء في الوقت عينه على مستويات مرتفعة من الترقّب والحذر، تحسّباً لأيّة معطيات جديدة.

خطّان.. و«قطب مخفيّة»

وفيما خلص لبنان الرسمي إلى دعوة الوسيط الأمريكي آموس هوكشتاين للحضور إلى بيروت، والعمل على إنهاء مفاوضات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية في أسرع وقت ممكن، لمنع حصول أيّ تصعيد على هذه الجبهة، ارتفع منسوب الضغط على رئاستَي الجمهورية والحكومة، للمسارعة إلى تدارك الموقف، وتوقيع تعديل المرسوم «6433»، وحفظ حقوق لبنان البحريّة في مواجهة «القرصنة الإسرائيلية»، مع ما يعنيه الأمر من اعتماد «الخطّ 29»، بدلاً من «الخطّ 23». وهنا، تجدر الإشارة إلى «الغرق» مجدّداً في بحر المزايدات الداخلية حول الحدود البحرية الخالصة للبنان، بين من يعتبر أنّ هذه الحدود تنتهي عند «الخطّ 23»، وبين من يعتبر أنّ هذه الحدود تنتهي عند «الخطّ 29»، والتي يقع ضمنها حقل «كاريش»، التي تقول إسرائيل إنّه خارج المنطقة المتنازَع عليها. 

وعليه، فإنّ ثمّة إجماعاً على أنّ لبنان يشهد أوسع عمليّة اجتياح بحريّة ضدّ حدوده البحريّة، لا تجد من يوجّه مسارها، وسط تخبّط رسمي ودبلوماسي، إذْ لم يملك لبنان حتى الآن سوى رفع نداء استغاثة إلى الوسيط الأمريكي. وفي الانتظار، فإنّ ثمّة كلاماً عن وجود «قطب مخفيّة» وكلمة سرّ واحدة، احتفظ بها الرؤساء الثلاثة في عملية تعطيل منظّم ومدروس لـ «الخطّ 29»، وعن أنّ مواقف الرئاسات جاءت على «منصّات نائمة وعائمة»، وكلّها وحّدت مطلبها باستدعاء الوسيط الأمريكي، الشريك الرابع في كلمة السرّ.

طباعة Email