أسبوعان بالتمام والكمال يفصلان عن يوم الانتخابات البرلمانية المقرّرة في 15 مايو. وعلى ما تؤشّر التحضيرات لهذا الاستحقاق، فإنّ كلّ المتنافسين باتوا على جهوزيّة تامّة لخوْض معركة الصناديق التي ستحدّد الوجهة السياسيّة التي ستحكم لبنان في السنوات الأربع المقبلة، وفقاً للخريطة البرلمانية الجديدة التي سترسمها صناديق الاقتراع. أمّا المكتوب الانتخابي، فيُقرأ من عنوانه مسبقاً، بحيث أنّ النتائج المتوقعة، وفق الدراسات وتقديرات الخبراء في الشأن الانتخابي والإحصائي، لن تنطوي على أيّ تغيير، ولو كان طفيفاً، عما هو سائد في الزمن السياسي الحالي، المتخبّط بالانقسامات والتباينات الجذريّة في الرؤى والتوجّهات بين قوى سياسية ترفض بعضها البعض.
وفي خضمّ ضجيج التحضيرات ليوم الاستحقاق الانتخابي، حيث بات كلّ شيء ينبض بالاستعداد لمعركة صناديق الاقتراع، وعلى وقع انتظار اللبنانيّين إنجاز هذا الاستحقاق في موعده المحدّد، بدأت الكواليس السياسية تضجّ في مباحثات حول مرحلة ما بعد الانتخابات، ذلك أنّ المحكّ الأساس للبنان يبدأ اعتباراً من اليوم الأول لبدء ولاية مجلس النواب الجديد، وتحديداً في 23 مايو. علماً أنّ الاستحقاق الذي يلي الانتخابات هو تكليف شخصيّة رئاسة الحكومة.
ولأنّ حسابات ما بعد الانتخابات تختلف عن هذه المرحلة، كوْن الجميع، وخصوصاً رئيس ميشال عون، يتحسّب لفترة ما بعد انتهاء ولاية العهد الحالي في 31 أكتوبر المقبل، واحتمال ألا يُنتخب رئيس جديد للجمهورية، فتؤول الصلاحيات الرئاسيّة إلى الحكومة مجتمعةً، فإنّ ثمّة كلاماً عن «امتحان مصيري»، وذلك من بوّابة الأولويّة التي تفرض نفسها بعد الانتخابات مباشرة، أي تشكيل حكومة جديدة، وهذا يُفترض أن يحصل في أسرع وقت، وخصوصاً أنّ أمام لبنان سلسلة تحديات، ولا سيّما منها ملفّ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، والموازنة العامة، وترسيم الحدود البحرية، وملف تطوير العلاقات مع الأصدقاء والأشقاء، وإعادة بناء ثقة المجتمع الدولي بلبنان.
وعدا عن التركيز على تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، والتي ستشتدّ المعركة حولها من الآن وصاعداً، فإن أهمّ ما ينتظره اللبنانيّون هو استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهورية. ولأنّ كلّ ما ينتظره لبنان مرتبط بمسار التفاوض على الملفات الإقليمية في المنطقة، فإنّ عناصر التسوية الإقليمية والدولية، وبحسب شبه الإجماع الداخلي، هي التي تتحكّم بمسار تشكيل الحكومة وانتخاب الرئيس.
وفيما لا جواب واضحاً حول ما ستكون عليه الوقائع في الفترة المقبلة، فإنّ الصيغ السياسية التي يتطرّق إليها البحث تتركز على حماية الاستقرار، وتحظى بإجماع دولي على ضرورة عدم السماح لحصول أيّ توترات أمنيّة كبرى، مع إبقاء الوضع في حال التفاوض السياسي الداخلي والإقليمي، وذلك بحثاً عن توافق على صيغة تسوية سياسيّة في أجواء غير حامية.
وفي الانتظار، أطلقت السلطة، رسمياً، نفير العدّ العكسي لمجمل الاستعدادات والإجراءات الأمنية واللوجستية والإدارية لإجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها المقرّرة، في الشقّيْن الاغترابي والمقيم، بما قطع، مبدئياً والى حدود بعيدة جداً، حبل ما تبقّى من تكهنات أو تقديرات أو مخاوف من نسْف الاستحقاق في لحظاته الأخيرة. ولعلّ أبرز ما فُهِم في هذا السياق أنّ السلطة السياسية بدت مدركة لخطورة أيّ اختلالات في إنجاز الخطط الفعّالة والضرورية، وتأمين سائر المستلزمات الأساسية، من مالية وخدماتية ولوجستية وإدارية، بعدما تبلّغت من جميع بعثات الدول الأجنبية، المواكِبة للاستحقاق من الآن، أنّ العين الدولية تبدو معنية بمراقبة الانتخابات بدقّة وعناية، لن تحجبها عنها الأولويات الأخرى التي تشغل العالم اليوم.
وعكست هذه الانطباعات، وفق ما يتردّد، الأهمية القصوى التي توليها الدول التي تُعنى غالباً بالواقع اللبناني لهذا الاستحقاق في ظلّ تطوّريْن استثنائيّيْن شهدهما لبنان ما بين الانتخابات النيابية الأخيرة التي حصلت عام 2018 والانتخابات التي ستُجرى بعد أسبوعين، وهما: الانهيار المالي والاقتصادي الكبير الذي شهده لبنان، وتفجّر الانتفاضة الاجتماعية على وقع ذاك الانهيار، والاتجاهات الجارفة ضدّ الطبقة السياسية الموصومة بغالبيتها بالفساد. وهذان العاملان، وفق ما يتردّد أيضاً، جعلا الدول المواكِبة للأزمة اللبنانية تنظر إلى الانتخابات المقبلة بنظرة استثنائية بالغة الأهمية، ستُترجم تباعاً في اتساع دائرة إطلاق المواقف الدولية من الاستحقاق اللبناني المقبل.
